5 ـ الانفال:

الانفال جمع النفل، والنفل في اللّغة: العطية والهبة، والنفل بالسكون: الزيادة على الواجب، ونفَّله نفلاً وتنفيلاً ونفله وأنفله إيّاه: أعطاه نفلاً أي زيادة، ومنه: نفله سلب القتيل، ونوافل الصّلاة(30).

واستعمل لفظ الانفال في الشرع الاسلامي لاوّل مرّة بسورة الانفال في قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الاْ َنْفَالِ...). وشأن هذه السورة أنّ المسلمين خاضوا أوّل معركة حربية تحت لواء قائدهم الاعظم رسول اللّه (ص) في غزوة بدر الكبرى في السنة الثانية من الهجرة، ولمّا انتهت المعركة بفوزهم الساحق على قريش اختلفوا في ما ظفروا به من جهة العدى ورجعوا إلى رسول اللّه (ص) في ذلك فنزلت الايات الكريمة من أوّل سورة الانفال:

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الاْ َنْفَالِ قُلِ الاْ َنْفَالُ للّهِ ِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ) الايات.

في سيرة ابن هشام والطبري وسنن أبي داود (31) وغيرها واللفظ للاوّل: ((انّ رسول اللّه (ص) أمر بما في العسكر ممّا جمع الناس فجمع فاختلف المسلمون فيه، فقال من جمعه: هو لنا، وقال الّذين كانوا يقاتلون العدوّ ويطلبونه: واللّه لولا نحن ما أصبتموه، لنحن شغلنا عنكم القوم حتّى أصبتم ما أصبتم، وقال الّذين كانوا يحرسون رسول اللّه (ص) مخافة أن يخالف إليه العدوّ: واللّه ما أنتم بأحقّ به منّا، لقد رأينا أن نقتل العدوّ إذ منحنا اللّه أكتافهم، ولقد رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه، ولكنا خفنا

على رسول اللّه (ص) كرّة العدوّ، فقمنا دونه، فما أنتم بأحقّ به منّا)).

وروى ابن هشام ـ أيضا ـ عن عُبادة بن الصامت أنّه قال عن سورة الانفال: ((فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه اللّه من أيدينا فجعله إلى رسول اللّه (ص) فقسّمه بين المسلمين على السواء)).

وروى عن أبي اُسيد الساعدي قال: أصبت سيف بني عائذ المخزوميين ويسمّى المرزبان يوم بدر فلمّا أمر رسول اللّه (ص) الناس أن يردّوا ما في أيديهم من النفل أقبلت حتّى ألقيته في النفل.

قال ابن هشام: ثمّ أقبل رسول اللّه (ص) قافلاً إلى المدينة ومعه الاسارى من المشركين حتّى إذا خرج من مضيق الصفراء نزل على كثيب، فقسّم هنالك النفل الّذي أفاء اللّه على المسلمين من المشركين على السواء(32).

نفهم من كلّ ما سبق أنّ اللّه سبحانه حين استعمل لفظة الانفال في الاية الكريمة قصد منها معناها اللّغوي وهو الهبة والعطيّة، أي أنّ ما استوليتم عليه من أموال العِدى ليس من باب السلب والنهب وفق قواعد الجاهلية لتتملكوهُ، بل هو عطاء من اللّه، ثمّ هو للّه ولرسوله وعليكم أن تردّوه إلى رسوله ليعمل فيه وفق رأيه.

ومن هنا نعرف المناسبة في ما استعملت فيه لفظة الانفال بأحاديث أئمّة أهل البيت، وأُريد بها: ((كلّ ما أُخذ من دار الحرب بغير قتال، وكلّ أرض انجلى عنها أهلها بغير قتال، وعلى قطائع الملوك إذا كانت في أيديهم من غير غصب، والاجام وبطون الاودية والارضون الموات وما شابهها))(33) فإنّها جميعا عطاء من اللّه، وهبة لرسوله ثمّ للائمّة من بعده. وبهذا الاستعمال الاخير أصبحت الانفال في العرف الاسلامي لدى مدرسة أئمّة أهل البيت اسما لما ذكرناه بين القوسين آنفا.


 

-30  راجع مادّة ((نفل)) من معاجم اللّغة خاصّة لسان العرب.

-31  سنن أبي داود 3 / 9، باب في النفل من كتاب الجهاد.

-32  سيرة ابن هشام 2 / 283 ـ 286، وفي طبعة اُخرى 2 / 296، وتفسير الاية بتفسير الطبري وغيره.

وعبادة بن الصامت: أبو الوليد الانصاري الخزرجي، شهد العقبة الاُولى والثانية ومشاهد رسول اللّه كلّها، وكان أحد نقباء الانصار وممّن حفظ القرآن على عهد النبي، توفي سنة 34 أو 45 بالرملة أو بيت المقدس، ترجمته بأُسد الغابة 3 / 107.

وأبو اُسيد مالك بن ربيعة الانصاري الخزرجي، شهد بدرا وما بعدها. اختلف في وفاته أكانت في ستّين أو خمس وستّين للهجرة، ترجمته بأُسد الغابة 4 / 279.

وبنو عائذ بن عبداللّه بن عمر بن مخزوم من قريش، نسبهم في نسب قريش لمصعب الزبيري ص299.

ومضيق الصفراء بوادي الصفراء بينه وبين بدر مرحلة. معجم البلدان.

-33  راجع البحار للمجلسي، باب الانفال من كتاب الخمس 96 204 ـ 214، ط. الجديدة.