4 ـ الصفيّ:

الصفيّ ويجمع على الصفايا كان يقال في العصر الجاهلي لما يأخذه الرئيس من المال المسلوب من العدى قبل القسمة. وفي الشرع الاسلامي لما كان لرسول اللّه خالصا دون المسلمين من مال منقول وغير منقول من أراضٍ وعقار، غير سهمه في الخمس(25)، يستفاد ما ذكرناه ممّا ننقله في ما يأتي:

روى أبو داود بسننه(26) عن الخليفة عمر أنّه قال:

أ ـ كانت لرسول اللّه ثلاث صفايا: بنو النضير وخيبر وفدك... الحديث.

ب ـ وفي حديث آخر له:

إنّ اللّه خصّ رسول اللّه (ص) بخاصّة لم يخصّ بها أحدا من الناس، فقال (فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ وَلكِنَّ اللّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَي‌ء قَدِيرٌ) (27) وكان اللّه أفأ على رسوله بني النضير... الحديث.

ج ـ وقال في حديث آخر بعد أن ذكر الاية الانفة: ((هذه لرسول اللّه خاصّة قرى عربية فدك و كذا وكذا)).

وروى أبو داود عن الزهري أنّه قال:

صالح النبيّ أهل فدك وقرى وهو محاصر قوما آخرين فأرسلوا إليه بالصلح، قال:

(فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ) يقول: بغير قتال، قال: وكانت بنو النضير للنبيّ خالصا لم يفتحها عنوة ((إفتتحوها على صلح))، ويثبت ممّا ذكرنا أنّ البحاثة ابن الاثير لم يصب في قوله بمادّة ((صفا)) من نهاية اللّغة حين قال: الصفي ما كان يأخذه رئيس الجيش ويختاره لنفسه من الغنيمة قبل القسمة ويقال له الصفيّة والجمع الصفايا، ومنه حديث عائشة: كانت صفيّة (رض) من الصفيّ، يعني صفيّة بنت حييّ كانت ممّن اصطفاه النبيّ (ص) من غنيمة خيبر، وقد تكرّر ذكره في الحديث، أي ذكر الصفيّ والصفايا.

وقال: ((وفي حديث عليّ والعبّاس أنّهما دخلا على عمر  وهما يختصمان في الصوافي الّتي أفاء اللّه على رسوله (ص) من أموال بني النضير، الصوافي: الاملاك والأراضي الّتي جلا عنها أهلها أو ماتوا ولا وارث لها، واحدها صافية، قال الازهري: يقال للضياع الّتي يستخلصها السلطان لخاصّته: الصوافي)).

وأخذ من الازهري وابن الأثير من جاء بعدهما من اللغويّين مثل ابن منظور بمادّة ((صفا)) من لسان العرب.

وخلاصة قولهم: إنّ الصفيّ ويجمع على الصفايا يقال: لما يصطفيه الرئيس من غنائم الحرب غير المنقولة. والصافية وتجمع على الصوافي لما يستخلصها السلطان من أراض وضياع. ولست أدري كيف يصحّ ذلك وقد رأينا الخليفة عمر يسمي فدكاً وخيبر وقرى عربية اُخرى بصفايا رسول اللّه.

ووجدنا أبا داود (28) المتوفّى سنة (275ه‍‍ ) يعقد بابا في سننه باسم ((باب صفايا رسول اللّه)) يذكر شأن تلك القرى الّتي جاءت في حديث عمر وغير عمر.

ورأينا التقسيم المذكور قد استفيد من الازهري (29) المتوفّى سنة (370ه‍‍ ) أي بعد ما يقارب قرنا من أبي داود، ولعلّه أخذه من المتعارف في عصره وليس من قبله، وخاصّة من القرامطة الّذين عاشرهم دهرا وهو في أسرهم واستفاد من محاوراتهم كثيرا.

 وخلاصة القول:

إنّ الصفايا ومفردها الصفيّ كانت تطلق حتّى عصر أبي داود على كلّ ما كان خالصا لرسول اللّه من أموال وضياع وعقار.

 


 

-25  نهاية اللّغة لابن الاثير.

-26  سنن أبي داود، باب: في صفايا رسول اللّه من كتاب الخراج 3 / 141، والاموال لابي عبيد، ص9.

-27  الحشر / 6.

-28  أبو داود سليمان بن الاشعث السجستاني صاحب كتاب السنن، قال: كتبت عن رسول اللّه خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب يعني السنن، جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه، سكن البصرة وتوفي بها. وراجع تفسير الخبر في تفسير الاية في الدرّ المنثور.

-29  الازهري أبو منصور محمّد بن أحمد بن الازهر الهروي الشافعي اللّغوي، أسرته القرامطة فبقي معهم دهرا طويلاً يسكن البادية، فاستفاد من محاوراتهم ألفاظا جمة. من تصانيفه التهذيب ولعله استفاد ما ذكره في تعريف ((الصوافي)) من محاورات القرامطة في ما يخص الغزو والسلب والنهب. وعلى هذا فليس

تعريفه هذا تعريف مصطلح شرعي ليفسر بموجبه ما جاء في الحديث الشريف.