( 5 )

إجتهاد الخليفتين أبي بكر وعمر في الخمس 

ومن موارد اجتهاد الخليفتين أبي بكر وعمر؛ منعهما أهل البيت خمسهم ـ كما ذكروا ـ وخاصّة حقّ ابنة الرسول فاطمة (ع) . ولابدّ لنا في معرفة كيفية اجتهادهما في هذا المورد أن ندرس:

أوّلاً: الزّكاة والصّدقة والفي‌ء والصفيّ والانفال والغنيمة والخمس لغة وشرعا.

ثانيا: شأن الخمس وحقّ ابنة الرسول (ع) في عصر الرسول (ص) ليتيسّر لنا بعد ذلك درس اجتهاد الخليفتين في الخمس وفي حقّ ابنة الرسول (ص) خاصّة، فنقول:

 1 و 2 ـ الزّكاة والصّدقة:

الزّكاة في اللّغة: الطهارة والنماء والبركة والمدح(1) مثل قوله تعالى: (أَيُّهَا أَزكَى طَعَاما)(2) أي أطهر، وما روي عن الامام الباقر (ع) أنّه قال: ((زكاة الارض يبسها))(3) أي طهارتها يبسها. وقول الامام عليّ (ع) : ((العلم يزكو على الانفاق))(4) أي ينمو، وقولهم: ((زكا الزرع))(5) إذا حصل منه نموّ وبركة، وقوله تعالى: (الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُم)(6) أي يمدحونها.

وفي الشرع: ما يخرجه الانسان من حقّ اللّه تعالى إلى مستحقّيه، وتسميته بذلك لما يكون فيها رجاء البركة أو لتزكية النفس أي تنميتها بالخيرات والبركات أو لهما جميعا فإنّ الخيرين موجودان فيها(7).

وزكّى أدّى زكاة ماله.

هذا ملخّص ما ذكره أهل اللّغة في بيان معنى الزكاة(8).

أمّا الصدقة  فقد قال الراغب في مفرداته: ((الصدقة ما يخرجه الانسان من ماله على وجه القربة كالزكاة لكنّ الصدقة تقال في الاصل للمتطوع به، والزكاة للواجب))(9).

وقال الطبرسي في مجمع البيان: ((الفرق بين الصدقة والزّكاة أنّ الزّكاة لاتكون إلاّفرضا، والصدقة قد تكون فرضا وقد تكون نفلاً))(10).

ومن ثمّ نرى أنّ الزّكاة لوحظ فيها معنى الوجوب وقصد منها حقّ اللّه في المال، كما لوحظ في الصدقة التطوّع أي اعطاء المال قربة إلى اللّه تعالى، وقد تُلحظ فيها الرّحمة على المعطى له مثل قول إخوة يوسف له: (وتَصَدَّقَ عَلَيْنَا)(11).

وبما أنّ الزكاة لوحظ فيها الوجوب أي حقّ اللّه في المال نرى أنّها تشمل أنواع الصدقات الواجبة والخمس الواجب وغيرهما من كلّ ما كتب اللّه على الانسان في المال.

ويشهد لهذا ما جاء في كتاب رسول اللّه (ص) لملوك حمير: ((وآتيتم الزّكاة من المغانم خمس اللّه وسهم النبيّ وصفيّه وما كتب اللّه على المؤمنين من الصدقة))(12).

فإن لفظ ((من)) بعد الزّكاة لبيان أنواع الزّكاة المذكورة بعدها وهي:

أ ـ من المغانم خمس اللّه.

ب ـ سهم النبيّ وصفيّه.

ج ـ ما كتب اللّه على المؤمنين من الصدقة. أي القسم الواجب من الصدقة.

*             *              *

 وهكذا جعل الصدقة الواجبة قسما واحدا من أقسام الزّكاة. وقد حصر اللّه الصدقة بالمواضع الثمانية المذكورة في قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)(13)، ولم يحصر الزّكاة بمورد ما، بل قرنها بالصلاة في خمس وعشرين آية من كتابه الكريم(14)، وكلّما قرنت الزّكاة بالصلاة في كلام اللّه وكلام رسوله قصد منها مطلق حقّ اللّه في المال والّذي منه: حقّه في ما بلغ النصاب من النقدين والانعام والغلاّت أي الصدقات الواجبة، ومنه حقّه في المغانم أي الخمس، وحقّه في غيرهما.

وإذا قرنت في كلامهما بالخمس، قصد منها الصدقات الواجبة خاصّة. وكذلك إذا اُضيفت في الكلام إلى أحد موارد أصناف الصدقة مثل ((زكاة الغنم)) أو ((زكاة النقدين)) قصد منها عند ذاك أيضا صدقاتها الواجبة. ويسمّى العامل على الصدقة في الحديث والسيرة بالمصدِّق(15) ولا يقال ((المزكّي))، ويقال لمعطي الصدقة: ((المتصدق))(16) ولا يقال المزكّي أو المتزكّي، و((الصدقة)) هي الّتي حُرّمت على بني هاشم(17) وليست الزّكاة، ولم ينتبه مُسْلِم إلى هذا وكتب في صحيحه ((باب تحريم الزّكاة على رسول اللّه (ص) وعلى آله...))(18)، وأورد في الباب ثمانية أحاديث تنصّ على حرمة الصدقة عليهم وليست الزّكاة كما قال، وعلى هذا فكلّ ما جاء في القرآن الكريم من أمثال قوله تعالى: (وأُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) (19) فهو أوّلاً أمر بإقامة كلّ ما يسمّى صلاة سواء اليوميّة منها أو صلاة الايات أو غيرهما. وثانيا أمر بأداء حقّ اللّه في المال سواء حقّه في موارد الصدقة الواجبة، أو حقّه في موارد الخمس أو في غيرهما.

وكذلك المقصود في ما روي عن رسول اللّه أنّه قال: ((إذا أدّيت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك))(20) أي أنّك إذا أدّيت حقّ اللّه في مالك أي جميع حقوق اللّه في المال فقد قضيت ما عليك، وكذلك ما روي عنه انّه قال ((من استفاد مالاً فلا زكاة عليه حتّى يحول الحول))(21) أي لا حقّ للّه في ماله. وجاء في أحاديث أئمّة أهل البيت:  (وحقّ في الاموال الزّكاة)(22). ولعلّ سبب خفاء ذلك على الناس، أنّ الخلفاء لمّا أسقطوا الخمس بعد رسول اللّه ولم يبق مصداق للزكاة في ما يعمل به غير الصدقات، نسي الخمس تدرُّجا، ولم يتبادر إلى الذهن من الزّكاة في العصور الاخيرة غير الصدقات!

 


 

-1  راجع مادّة ((زكا)) من نهاية اللّغة لابن الاثير.

-2  الكهف / 19.

-3  بمادّة ((زكا)) من نهاية اللّغة.

-4  نهج البلاغة ، كتاب الحكم ، العدد 147 .

- بمادّة ((زكا)) من مفردات الراغب.

- النِّساء / 49.

-7  راجع مادّة ((زكا)) من مفردات الراغب.

-8  راجعنا في هذا وما يأتي بترجمة المصطلحات الاتية الراغب في مفرداته، وابن الاثير في نهاية اللّغة، وابن منظور في لسان العرب، والقاموس وشرحه مضافا إلى تفاسير القرآن مثل تفسير الطبري والطبرسي وغيرهما.

-9  بمادّة ((صدق)).

-10  مجمع البيان 1 / 384 بتفسير الاية 272 من سورة البقرة.

-11  يوسف / 88.

-12  يأتي ذكر مصادر الكتاب في ما بعد إن شاء اللّه.

-13  التّوبة / 60.

-14  راجع مادّة ((الزّكاة)) من المعجم المفهرس لالفاظ القرآن الكريم.

-15  راجع مادّة ((صدق)) بمفردات الراغب ونهاية اللّغة ولسان العرب.

-16  قال اللّه تعالى : (إنّ المصدقين والمصدقات‍ ) (الحديد / 18) وقال : (والتمصدقين والمتصدقات‍ ) (الاحزاب / 35) ، وراجع أبواب الزّكاة في صحيح مسلم 3 / 172 ، وسنن أبي داود 1 / 202 ، والترمذي 3 / 172 . ولا يعبأ بما جاء عند بعض المتأخرين مثل المتقي في كنز العمال .

-17  يأتي تفصيله في ما بعد إن شاء اللّه.

-18  صحيح مسلم 3 / 117.

-19  راجع مادّة ((الزّكاة)) في المعجم المفهرس لالفاظ القرآن الكريم.

-20  سنن الترمذي 3 / 97، باب ما جاء إذا أدّيت الزّكاة فقد قضيت ما عليك.

-21  سنن الترمذي 3 / 125، باب ما جاء لا زكاة على المال المستفاد حتّى يحول عليه الحول.

-22  الكافي 2 / 19 و 20، وتفسير العياشي 1 / 252، والبحار 68 / 337 و 389.