ط ـ المجتهد أبو الغادية قاتل عمار
قال ابن حزم في الفصل: ((وعمار
(رض) قتله أبو الغادية يسار بن سبع السلمي، شهد بيعة الرضوان، فهو من شهداء اللّه
له بأنّه علم ما في قلبه وأنزل السكينة عليه ورضي عنه، فأبو الغادية 2 متأوّل مجتهد
مخطئ باغ عليه، مأجور أجرا واحدا وليس هذا كقتلة عثمان 2 لانّهم لا مجال لهم
للاجتهاد في قتله...))(110).
وكذلك قال ابن حجر بترجمته من
الاصابة وعدّه من الصحابة المجتهدين كما سيأتي.
ي ـ مجتهدون بالجملة
قال ابن تيمية في جواب قول
العلاّمة: ((أمّا المطاعن في الجماعة فقد نقل الجمهور منها أشياء كثيرة حتّى صنّف
الكلبي(111) في مثالب الصحابة ولم يذكر فيه منقصة واحدة لاهل البيت)).
قال ابن تيمية في جواب هذا القول:
((وأكثر هذه الاُمور لهم فيها معاذير يخرجها عن أن تكون ذنوبا، وتجعلها من موارد
الاجتهاد الّتي إن أصاب المجتهد فيها فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، وعامّة المنقول
عن الخلفاء الراشدين من هذا الباب)).
ثمّ أطال الحديث حول ذلك في
الصفحات 19 ـ 30 من الجزء الثالث من منهاجه، ثمّ أجاب بعدها عن كثير ممّا أورده
العلاّمة على الكبراء النابهين بأنّها من موارد الاجتهاد(112).
وقال ابن حجر في ترجمة أبي الغادية
من الاصابة: ((والظنّ بالصحابة في كلّ تلك الحروب أنّهم كانوا فيها متأوّلين،
وللمجتهد المخطئ أجر، وإذا ثبت هذا في حقّ آحاد الناس فثبوته للصحابة بالطريق
الاولى))(113).
وقال الشيخ عبدالوهاب عبداللطيف في
هامش الصواعق: ((وجميع الصحابة ممّن كان على عهد عليّ، إمّا مقاتل معه، أو عليه، أو
معتزل عن المعسكرين فلم يقاتله، وامتنع عن قتاله جماعة منهم: أصحاب ابن مسعود وسعد
بن أبي وقّاص واعتزل الفريقين حذيفة وابن مسلمة وأبوذر وعمران بن حصين وأبو موسى
الاشعري والجميع مجتهد متأوّل لايخرج بما وقع عنه عن العدالة))(114).
هكذا أجمع أتباع مدرسة الخلفاء منذ
القرن الثاني الهجري حتّى اليوم ـ أوائل القرن الخامس عشر ـ على أنّ الصحابة كلّهم
مجتهدون، وأنّ اللّه سبحانه يثيبهم على كلّ ما فعلوا من خصومات وإراقة دماء، لم
يقتصر على رفع القلم عنهم، بل يثيبهم على سيِّئاتهم.
وعلى ما يزعمون! ما أعدله من حاكم
ديّان حين يجازينا بسيِّئاتنا سيِّئات ويجازيهم بها حسنات!!!
أجمعوا على هذا القول في حقّ
الصحابة حتّى عصر معاوية، وقال بعضهم: إنّ ذلك يجري حتّى عصر يزيد كما قاله ابن
خلدون عمن كان يومذاك، قال: إنّ منهم من رأى الانكار على يزيد ومنهم من رأى محاربته
ثمّ قال: ((وهذا كان شأن جمهور المسلمين والكلّ مجتهدون ولا ينكر على أحد من
الفريقين، فمقاصدهم في البرّ وتحرّي الحقّ معروفة، وفّقنا اللّه للاقتداء
بهم))(115).
لست أدري إن كان كلّ هؤلاء مجتهدين
لادراكهم صحبة الرسول، فما بال قتلة عثمان ولم لم يعدّوا من المجتهدين! قال ابن حزم
بعدما سبق ذكره في باب اجتهاد أبي الغادية قاتل عمار:
((وليس هذا كقتلة عثمان (رض) لانّه
لا مجال للاجتهاد في قتله، لانّه لم يقتل أحدا ولا حارب ولا قاتل ولا دافع ولا زنى
بعد إحصان ولا ارتدّ فُيسوِّغ المحاربة تأويل، بل هم فسّاق محاربون سافكون دما
حراما عمدا بلا تأويل على سبيل الظلم والعدوان فهم فُسّاق ملعونون))(116).
وقال ابن حجر الهيتمي: ((انّ الّذي
ذهب إليه كثيرون من العلماء أنّ قتلة عثمان لم يكونوا بغاة، وإنّما كانوا ظلمة
وعتاة لعدم الاعتداد بشبههم، ولانّهم أصرّوا على الباطل بعد كشف الشبهة وإيضاح
الحقّ لهم، وليس كلُّ من انتحل شبهة يصير بها مجتهدا لانّ الشبهة تعرض للقاصر عن
درجة الاجتهاد))(117).
لست أدري إذا كيف أصبح قاتل الامام
عليّ مجتهدا متأوّلاً وقد ضربه بالسيف في الصلاة وفي محراب مسجد الكوفة كما يأتي
التصريح به في ما يأتي:
-110
الفصل لابن حزم 4 / 161.
-111
ويقصد بالكلبي أبا المنذر هشام بن محمّد بن السائب الكلبي؛ قال الذهبي في العبر 1 /
346: وتصانيفه تزيد على مائة وخمسين أثبت أسماء 141، منها أحمد زكي في ثبت مصنفاته
بملحق الاصنام، وجاء ذكر كثير ممّا لم يذكره أحمد زكي بترجمته من رجال النجاشي،
وصفه علماء أهل السنّة بالرفض والغلوّ في التشيّع، توفي سنة 204 أو 206ه ، راجع
ترجمته بطبقات الحفاظ وأنساب السمعاني.
-112
منهاج السنّة 3 / 19.
-113
الاصابة بتراجم حرف الغين المعجمة من الكنى 4 / 151.
-114
بهامش الصواعق ص209، وأكّد ذلك في فصل عدالة الصحابة من كتابه المختصر.
لم نعرف من هم أصحاب ابن مسعود الّذين هم اعتزلوا الفتنة كما أن حذيفة لم يكن
يومذاك في المدينة، وإنّما كان في المدائن، وتوفي فيها وأوصى بمتابعة الامام.
وأبوذر أعلن بالانكار على إحداث الحكّام حتّى نُفي من بلد إلى بلد، وأخيرا قضى نحبه
طريدا في الربذة في خلافة عثمان سنة 32ه ، وابن أبي وقاص ندم على تخلفه عن
الامام، وأبو موسى كان هواه مع مخالفي الامام. وعمران بن حصين كان قد توفي قبل ذلك.
-115
مقدّمة ابن خلدون، ط. دار الكتاب اللبناني سنة 1956م، ص 380، وهو أبو زيد
عبدالرّحمن بن خلدون (732 ـ 808ه ) دفن بمقابر الصوفية بمصر. ويقصد بمن حاربه ابن
الزُّبير بمكّة وأهل المدينة بواقعة الحرة.
-116
الفصل لابن حزم 4 / 161.
-117
الصواعق المحرقة لابن حجر، ص215.