( 2 )
تسمية الاجتهاد
التأويل لغة وشرعا
قال أبو العباس أحمد بن يحيى
المعروف بثعلب (ت: 291ه ): ((التأويل، والمعنى، والتفسير، بمعنى))(68).
وقال الجوهري (ت: 396ه ):
((التأويل، تفسير ما يؤول إليه الشيء وقد أوّلته، وتأوّلته تأوّلاً، بمعنى))(69).
وقال الراغب (ت: 502ه ):
((التأويل من الاوّل أي الرجوع إلى الاصل، ومنه الموئل للموضع الّذي يرجع إليه،
ومعنى التأويل في اللّغة، ردّ الشيء إلى الغاية المرادة منه، وقد ورد في القرآن
الكريم بهذا المعنى في:
1 ـ (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ
إِلا اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) آلعمران / 7.
2 ـ (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا
تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ) الاعراف / 53 أي بيانه الّذي هو
غايته(70).
واستعمل التأويل في الكتاب والسنّة
في تعبير الرؤيا، كما جاء في قصّة يوسف (نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ) يوسف / 36، وفي
تعبير الرسول (ص) في غزوة أُحد: ((فأوّلت أنّ الدرع المدينة))(71).
كان هذا معنى التأويل في اللّغة
وتلك أمثلة من موارد استعماله، واستعار الصحابة والتابعون لفظ التأويل وأرادوا به
تغيير الاحكام، ومن ثمّ أصبح للتأويل في عرف مدرسة الخلفاء معنى جديد.
قال ابن الاثير: التأويل من آل
الشيء يؤول إلى كذا، أي رجع وصار إليه، والمراد بالتأويل نقل ظاهر اللفظ عن وضعه
الاصلي الى ما يحتاج إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ(72).
هكذا غيّروا مدلول اللفظ، وانتشر
هذا التغيير في كتب الحديث، فقد قال البخاري في كتاب الادب من صحيحه: ((باب من أكفر
أخاه من غير تأويل فهو كما قال)). و((باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأوّلاً
وجاهلاً))(73).
وفي شرح ((باب ما جاء في
المتأوّلين)) من فتح الباري: والحاصل أنّ من أكفر المسلم، نظر، فإن كان بغير تأويل،
استحقّ الذمّ، وربّما كان هو الكافر، وإن كان بتأويل، نظر، إن كان غير سائغ استحقّ
الذمّ ولا يصل إلى الكفر بل يبيّن له وجه خطئه ويزجر بما يليق به، ولا يلتحق
بالاوّل عند الجمهور، وإن كان ـ تكفيره ـ بتأويل سائغ لم يستحقّ الذمّ، بل تقام
عليه الحجّة حتّى يرجع إلى الصواب.
قال العلماء: كلّ متأوّل معذور
بتأويله، ليس بآثم إذا كان تأويله سائغا في لسان العرب، وكان له وجه في العلم(74).
هكذا طوّروا مدلول التأويل، وأخيرا
سمّوا موارد التأويل في عرفهم بالاجتهاد.
وسندرس في ما يأتي، المجتهدين في
العصر الاوّل وموارد اجتهادهم.
-68
مادّة ((أول)) في لسان العرب.
-69
مادّة ((أول)) في الصحاح.
-70
مادّة ((أول)) في مفردات الراغب. وقد أوجزت ما نقلت عنه، وراجع البخاري، كتاب
الاذان، باب 139، وتفسير سورة 110، وصحيح مسلم، كتاب الصّلاة، ح217، وسنن ابن ماجة،
كتاب الاقامة، الباب 20.
-71
سنن الدارمي 2 / 129، وراجع في موطأ مالك، كتاب اللبس، باب ما جاء في الانتعال،
ح16، والدارمي كتاب الرؤيا، الباب 13.
-72
نهاية اللّغة: مادّة ((أول)).
-73
صحيح البخاري بمتن فتح الباري 13 / 129 و 130.
-74
فتح الباري 15 / 333، لست أدري ماذا يقولون في تكفير الخوارج عامّة المسلمين، بلى
إنّهم لايعذرونهم ويسمّونهم المارقين عن الاسلام، عدا ابن ملجم قاتل أميرالمؤمنين،
فهو متأوّل معذور!!!