( 1 )
تطور مدلول الاجتهاد بمدرسة
الخلفاء
إنّ مصطلح الاجتهاد والمجتهد متأخر
عن عصر الصحابة والتابعين بدهر، إذ كان الصحابة والتابعون يسمّون تغيير الاحكام من
قبلهم بالتأويل مثل ما جاء في خبر قتل خالد بن الوليد عامل رسول اللّه مالك بن
نويرة، فإنّ خالدا اعتذر عن فعله وقال للخليفة أبي بكر: ((يا خليفة رسول اللّه!
إنِّي تأوّلت وأصبت وأخطأت)).
وقال أبو بكر في جواب عمر حين قال:
إنّ خالدا زنى فارجمه: ((ما كنت أرجمه فإنّه تأوّل فأخطأ))(61).
ومثل ما ورد في رواية الزهري عن
عروة عن عائشة: ((انّ الصلاة أوّل ما فرضت ركعتين فاُقرّت الصلاة في السفر واُتمّت
صلاة الحضر)).
قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال
عائشة تتمّ في السفر؟ قال: إنّها تأوّلت كما تأوّل عثمان(62).
وقال ابن حزم في الفصل: وعمار 2
قتله أبو الغادية. شهد ـ أي عمار _ بيعة الرضوان فهو من شهداء اللّه له بأنّه علم
ما في قلبه وأنزل السكينة عليه، ورضي عنه، فأبو الغادية متأوّل مجتهد مخطئ باغ عليه
مأجور أجرا واحدا وليس هذا كقتلة عثمان2 لانّهم لا مجال لهم للاجتهاد في قتله(63).
وقال ابن حجر في ترجمة أبي
الغادية: والظنّ بالصحابة في كلّ تلك الحروب، أنّهم كانوا فيها متأوّلين وللمجتهد
المخطئ أجر. وإذا ثبت هذا في حقّ آحاد الناس فثبوته للصحابة بالطريق الاولى(64).
وقال ابن حزم في المحلّى، وابن
التركماني في الجوهر النقي: ولا خلاف بين أحد من الاُمّة في انّ عبدالرّحمن بن ملجم
لم يقتل عليّا إلاّ متأوّلاً مجتهدا مقدّرا أنّه على صواب. وفي ذلك يقول عمران بن
حطّان:
يا ضربةً من تقي
ما أراد بها
إلاّ
ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إنِّي لاذكره
يوما فأحسبه
أوفى
البريّة عند اللّه ميزانا(65)
وقال الشيخ عبداللطيف في هامش
الصواعق: وجميع الصحابة ممّن كان على عهد عليّ إمّا مقاتل معه أو عليه أو معتزل عن
المعسكرين متأوّل لايخرج بما وقع عنه عن العدالة(66).
وقال ابن كثير في حقّ يزيد: وحملوا
ما صدر منه من سوء التصرّفات على أنّه تأوّل فأخطأ، وقالوا: إنّه مع ذلك كان إماما
فاسقا لايعزل... ولا يجوز الخروج عليه، وأمّا ما ذكر أن يزيداً لمّا بلغه خبر أهل
المدينة وما جرى عليهم عند الحرّة، فرِح بذلك فرحا شديدا، فإنّه يرى انّه الامام
وقد خرجوا عن طاعته، وأمّروا عليهم غيره، فله قتالهم حتّى يرجعوا إلى الطاعة، ولزوم
الجماعة(67).
في الخبر الاوّل سمّى كلّ من
الصحابي: خالد بن الوليد والخليفة الصحابي أبو بكر:
قتل مالك ونكاح زوجته بالتأوّلِ.
وفي الخبر الثاني سمّى التابعي
عروة بن الزُّبير إتمام عائشة الصلاة في السفر خلافا لما ترويه، تأوّلاً، مثل فعل
عثمان.
وبعد ذلك بدهر نجد ابن حزم المتوفى
456ه يصف أبا الغادية في قتله عمار بن ياسر متأوّلاً مجتهدا مأجورا أجرا واحدا.
ونجده هو وابن التركماني الحنفي
المتوفّى (750ه ) يصفان ابن ملجم في قتله الامام عليّا متأوّلاً مجتهدا.
ونجد ابن حجر المتوفى (852ه )
يصف الصحابة في كلّ تلك الحروب متأوّلين وللمجتهد المخطئ أجر!.
* * *
هكذا سمّي العمل بالرأي أوّلاً
بالتأويل، وأخيرا بالاجتهاد، ثمّ اتّبع علماء مدرسة الخلفاء الصحابة والخلفاء في
ذلك وفتحوا لانفسهم باب هذا الاجتهاد ـ أي العمل بالرأي ـ غير أنّهم اكتشفوا للعمل
بالرأي قواعد، ووضعوا له أسماء، وعقدوا له أبوابا في علم الاُصول، وسمّوا أيضا
رجوعهم إلى تلك القواعد الّتي وضعوها، واستخراجهم الاحكام بموجبها ((الاجتهاد))،
وسمّوا من يقوم بذلك
((المجتهد)). بينما المصطلح الشرعي
لعلم الدين هو ((الفقه)) ولعالمه ((الفقيه))، وعلى هذا فينبغي البحث في ما يأتي في
ثلاثة أُمور:
1 ـ التسمية.
2 ـ المجتهدون في القرن الاوّل
وموارد اجتهادهم.
3 ـ الاجتهاد في القرن الثاني فما
بعد، واستنباط الاحكام من عمل الصحابة.
-61
راجع موارد اجتهاد أبي بكر في ما يأتي.
-62
صحيح مسلم، باب صلاة المسافرين وقصرها، ح3، والبخاري 1 / 134، باب تقصير الصلاة،
وقد حذف ((في السفر)) من لفظ الحديث حفظا لكرامة أُمّ المؤمنين.
-63
الفصل 4 / 161.
-64
الاصابة 4 / 151.
-65
المحلى لابن حزم 10 / 484، والجوهر النقي لابن التركماني الحنفي (ت: 750ه ) بذيل
سنن البيهقي 8/ 58 و 59.
-66
بهامش الصواعق ص209.
-67
تاريخ ابن كثير 8 / 223، ذكرتها باختصار.