كيف وجد الحديثان المتناقضان

لعلّ من الاحاديث الّتي رويت على عهد معاوية وسُجِّلت في عداد أحاديث الرسول (ص) واعتبرت من سنّته، هي الاحاديث الاتية:

في صحيح مسلم وسنن الدارمي ومسند أحمد واللفظ للاوّل، أنّ رسول اللّه(ص) قال:

((لاتكتبوا عنِّي، ومن كتب عنِّي غير القرآن فليمحه))(45).

وفي رواية: ((إنّهم استأذنوا النبيّ (ص) في أن يكتبوا عنه فلم يأذن لهم))(46).

وفي مسند أحمد وسنن أبي داود عن زيد بن ثابت واللفظ للاوّل:

إنّ رسول اللّه (ص) نهى أن نكتب شيئا من حديثه فمحاه(47).

وفي مسند أحمد، عن أبي هريرة قال: كنّا قعودا نكتب ما نسمع من النبيّ (ص) فخرج علينا فقال: ما هذا تكتبون؟

فقلنا: ما نسمع منك.

فقال: أكتاب مع كتاب اللّه؟

فقلنا: ما نسمع.

فقال: اُكتبوا كتاب اللّه إمحضوا كتاب اللّه. أكتاب غير كتاب اللّه؟ إمحضوا كتاب اللّه.

فقال: فجمعنا ما كتبنا في صعيد واحد، ثمّ أحرقناه بالنار(48).

إن صحّت هذه الاحاديث فما على المسلمين إلاّ أن يجمعوا جميع مصادر الدراسات الاسلامية والّتي حوت أحاديث الرسول، أو كان فيها شي‌ء من حديثه مثل الصحاح والسنن والمسانيد والسير والتفاسير ويحرقوها أو يلقوها في البحر!!!

وبناء على ذلك لست أدري ماذا يبقى من شرائع الاسلام إذا ألقينا بجميع مصادر سنّة الرسول في البحر؟ لا. لم يتفوه رسول اللّه (ص) بتلك الاحاديث، وإنّما قال في خطبته بمنى في حجّة الوداع:

((نضّر اللّه عبدا سمع مقالتي فوعاها وبلغها من لم يسمعها، فكم من حامل فقه إلى من هو أفقه منه)) الحديث(49).

وفي حديث آخر ((فربّ حامل فقه غير فقيه، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه))(50).

وفي رواية أُخرى قال رسول اللّه: ((نضّر اللّه امرأً سمع منّا حديثا فأدّاه كما يسمع، فربّ مبلغ أوعى من سامع))(51).

 وفي أُخرى قال النبيّ (ص) :

«ليُبَلِّغِ الشاهِدُ الغائِبَ، فإنّ الشاهِدَ عَسى أنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أوْعَى لَهُ مِنهُ»(52).

وقال (ص) :

«اللّهُمّ ارْحَمْ خُلَفَائِي! اللّهُمّ ارْحَمْ خُلَفَائِي! اللّهُمّ ارْحَمْ خُلَفَائِي! قِيْلَ لَهُ:  يَا رَسُولَ اللّهِ! مَنْ خُلَفاؤُكَ؟ قَالَ: الَّذِينَ يَأتُونَ بَعْدِي يَرْوُوْنَ حَدِيثِي وَسُنَّتِي»(53).

وفي باب كتابة العلم من البخاري: أن رجلاً من أهل اليمن سمع حديث رسول اللّه فقال: أُكتب لي يا رسول اللّه! فقال: أُكتبوا لابي فلان(54).

وروي أنّ رجلاً من الانصار كان يجلس إلى النبيّ فيسمع من الحديث فيعجبه ولا يحفظه فشكا ذلك إلى النبيّ (ص) فقال له رسول اللّه (ص) : ((استعن بيمينك)) وأومأ بيده أي خط(55).

وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: قلت: يا رسول اللّه! أكتب كلّ ما أسمع منك؟ قال: ((نعم))، قلت: في الرضا والغضب؟ قال: ((نعم، فإنّي لا أقول في ذلك كلّه إلاّ حقّا)).

وفي رواية: إنّي أسمع منك أشياء فأكتبها؟ قال: نعم(56).

وعن عبداللّه بن عمرو قال: كنت أكتب كل شي‌ء أسمعه من رسول اللّه (ص) اُريد حفظه فنهتني قريش وقالوا: تكتب كل شي‌ء سمعته من رسول اللّه (ص) ورسول اللّه (ص) بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ فأمسكت عن الكتابة فذكرت ذلك لرسول اللّه فأومأ باصبعه إلى فيه وقال: اكتب فوالّذي نفسي بيده ما خرج منه إلاّحقّ(57).

وفي رواية أُخرى بعد هذا: انّه أتى رسول اللّه (ص) فقال: يا رسول اللّه (ص)! إنِّي أروي من حديثك فأردت أن استعين بكتاب يدي مع قلبي إن رأيت ذلك، فقال رسول اللّه (ص) : ((إن كان حديثي ثمّ استعن بيدك مع قلبك))(58).

عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، قال:

قلت: يا رسول اللّه! إنّا نسمع منك أحاديث لا نحفظها، أفلا نكتبها؟ قال: بلى، فاكتبوها(59).

*             *              *

 إذا، كان الرسول (ص) قد أمر وحثَّ على تدوين أحاديثه ونشرها كما قرأناها في الاحاديث الصحيحة الاخيرة، إذا فكيف رويت عنه الاحاديث السابقة الّتي كانت تقول: إنّ الرسول نهى عن كتابة حديثه؟

الجواب: انّا رأينا أنّ قريشا أي المهاجرين من الاصحاب كانت تمنع من كتابة حديث رسول اللّه في حياته، وأنّها هي الّتي منعت من كتابة وصية الرسول قبيل وفاته، وبعد وفاته ـ أيضا ـ رأينا الخليفة القرشي الثاني يمنع بشدّة من كتابة حديث الرسول، ويحرق ما كتب منها، ويمنع من نشر حديث الرسول، ويسجن في المدينة من خالف من الصحابة. وعلى نهجه سار الخليفة القرشي الثالث عثمان، وكان من الطبيعي أن يسير في ركاب السلطة جمع من الصحابة.

ورأينا في الجانب الاخر في الصحابة من يخالف هذا الاتّجاه، وينشر أحاديث الرسول ويناله الارهاق والشدّة مثل الصحابي أبي‌ذرّ. وسيأتي في البحوث الاتية بهذا الكتاب ـ إن شاء اللّه تعالى ـ أنّ الامام عليّا (ع) كان مشجعا لهذا الاتّجاه، وكان من الطبيعي تشجيعه لنشر حديث الرسول على عهد خلافته، ولما استشهد في محرابه وولي معاوية الحكم لم يكن من الهيِّن على معاوية بعد ذلك أن يمنع كتابة حديث الرسول ما لايريد نشره، وكان لابدّ له من مؤيّد على هذا الاتّجاه، فرويت أحاديث ((منع الرسول من كتابة الحديث)) في هذا العصر، وأنتج كلّ ذلك أن نجد في أحاديث الرسول هذا التناقض:

أحاديث تروى عن رسول اللّه انّه قال: ((اكتبوا حديثي)).

وأحاديث تروى أنّه قال: ((لاتكتبوا حديثي)).

وهكذا وجدت الاحاديث المتناقضة في الاحاديث المروية عن رسول اللّه (ص).

وعلى هذا، متى ما وجدنا الاحاديث متعارضة، ينبغي أن نترك ما يوافق اتّجاه السلطة الحاكمة مدى العصور.

ولا يفوتنا أخيرا أن نقول: إنّ المنع كان بقصد منع نشر فضائل الامام عليّ (ع) على المسلمين، خاصّة على عهد معاوية الّذي كان يأمر بلعن الامام في خطب الجمعة على منابر المسلمين، كما مرّ بنا في الجزء الاوّل، فصل: كتمان فضائل الامام عليّ، ونشر سبّه ولعنه.

*             *              *

 أشرنا في ما سبق إلى جانب ممّا اقتضته سياسة الحكم لدى معاوية، وهو صرف الناس عن مدرسة أهل البيت وتوجيههم نحو مدرسة الخلفاء، وأضف إلى ذلك أنّ معاوية كان بحاجة إلى تغيير رؤية المسلمين لامامهم أكثر فأكثر. فإن رؤية المسلمين للحاكم الاسلامي الاوّل رسول اللّه (ص) ، وأنّه مثال للكمال الانساني، وأنّه لاتصدر منه المعاصي، ولا ينساق وراء هوى نفسه.

هذه الرؤية كانت تمنع غير المنحرفين من أفراد الاُمّة من الانسياق وراء معاوية، ومن قبول يزيد (المخمور المعلن بالفسق) لولاية العهد، ومن هنا كان معاوية بحاجة إلى تغيير رؤية المسلمين إلى مَثَلهم الاعلى رسول اللّه (ص) ، ولهذا ظهرت أحاديث تُري رسول اللّه (ص) في مستوى يزيد ومعاوية في الانجراف وراء هوى نفسه، وقد رويت تلك الاحاديث عن بعض أُمّهات المؤمنين وبعض صحابة رسول‌اللّه(ص)(60).

وكان ـ أيضا ـ في الاحاديث الاسرائيليّة عن الانبياء السابقين والّتي كان ينشرها علماء أهل الكتاب بين المسلمين إسناد وتأييد لما تتطلبه سياسة معاوية في هذا الجانب، وزاد في الطين بلّةً المنع من كتابة حديث الرسول والاعتماد على ذاكرة الرواة في ما يحدِّثون. ولهذا اختلط الحابل بالنابل، وامتزجت الاسرائيليات بالمروي من أحاديث الرسول.

وهكذا تشكّل الفكر الاسلامي في مدرسة الخلفاء بطابعه الخاص به على عهد معاوية وكما أراده معاوية، وأصبح هذا الفكر الخاص بمدرسة الخلفاء هو الاسلام الرسمي منذ عهد معاوية، وأصبح ما يخالفه مرفوضا ومنبوذا. وبقي الاسلام الرسمي أو الفكر الاسلامي الّذي رسمه معاوية كما أراده على ذلك الشكل والمحتوى حتّى اليوم

بعد أن وضع استشهاد الحسين سبط رسول اللّه وأهل بيته حدّا للانحراف بعد معاوية، وكشف عن واقع الخليفة يزيد، وجرَّد مقام الخلافة من هالة القداسة الّتي كانت تتبرقع بها، فأصبحت السلطة في جانب، والتمثيل الديني في جانب آخر.

*             *              *

 كان هذا موقف مدرسة الخلفاء من حديث الرسول (ص)، وسندرس موقف مدرسة أهل البيت من حديث الرسول بعد الانتهاء من بحث موقف المدرستين من الفقه والاجتهاد في ما يأتي من أبواب هذا الكتاب ـ إن شاء اللّه تعالى ـ.

 عود على بدء

كان استمرار النهي عن نشر سنّة الرسول (ص) بمدرسة الخلفاء عن كتابتها؛ إلى أوّل القرن الثاني الهجري؛ من أهم الاسباب الّتي أدّت بهم إلى فتح باب الاجتهاد في الاحكام، والعمل فيها بآراء المجتهدين، وأحيانا في مقابل سنّة الرسول (ص) كما سندرسه في الفصل الاتي إن شاء اللّه تعالى.

 


 

-45  صحيح مسلم 4 / 97، كتاب الزُّهد، باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم، ح72. وسنن الدارمي 1 / 119، المقدّمة،  باب 42، ومسند أحمد 3 / 12،  39 و 56.

-46  سنن الدارمي، المقدّمة، باب 1 / 119.

-47  مسند أحمد 5 / 182، وسنن أبي داود، كتاب العلم 3 / 319.

-48  مسند أحمد 3 / 12 و 13.

-49 ، (50) ، (51)  راجع مصادره في ما سبق، باب تعريف مصطلح الفقه، وبدائع المنن 1 / 14.

-52  صحيح البخاري 1 / 24، ط. بولاق، كتاب العلم، باب قول النبيّ: رُبّ مبلِّغ...، وفي كنز العمال ط. 2، 10 / 133، ح1126، سنن ابن ماجة 1 / 85، ح233، بحار الانوار 1/ 152، ح42.

-53  في مصادر مدرسة أهل البيت معاني الاخبار ص 374 و 375، عيون الاخبار، ط. النجف الاشرف 2 / 36، من لايحضره الفقيه، تحقيق علي أكبر غفاري 4 / 420، بحار الانوار 2/ 145، ح7. وفي مصادر مدرسة الخلفاء: المحدث الفاصل للرامهرمزي، باب فضل الناقل عن رسول اللّه ص163، وقواعد التحديث للقاسمي، باب فضل راوي الحديث ط. 2 ص48، شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي، باب كون أصحاب الحديث خلفاء الرسول ص30، جامع بيان العلم لابن عبدالبر 2 / 55، أخبار أصبهان لابي نعيم 2 / 81، الفتح الكبير للسيوطي، عن أبي سعيد 1 / 233، كنز العمال للمتقي، كتاب العلم، باب آداب العلم، فصل رواية الحديث وآداب الكتابة، عن عليّ (ع) وابن عباس ط2، 20 / 128 و 133، ح1086 و1127 و 10 / 181، ح1407، والالماع للقاضي عياض، باب شرف علم الحديث وشرف أهله، ص11.

-54  صحيح البخاري 1 / 22. وأبو فلان هو أبو شاة كما في الترمذي 10 / 135.

-55  سنن الترمذي، كتاب العلم، باب: ما جاء في الرخصة فيه 10 / 134.

-56  مسند أحمد 2 / 207 و 215.

-57  ذكرنا مصادره في أوائل باب موقف المدرستين من نشر حديث الرسول في القرن الاوّل.

-58  سنن الدارمي، المقدّمة، باب رخص في كتابة العلم 1 / 125 و 126.

-59  مسند أحمد 2 / 215.

-60  راجع بحث منشأ الخلاف حول صفات رسول اللّه (ص) من (بحوث تمهيديّة) في الجزء الاوّل من هذا الكتاب، لترى كيف رسمت مدرسة الخلفاء صورة خاتم الانبياء فإنّا نرى أنّها وضعت في عصر معاوية ولحسابه.