على عهد عمر بن عبدالعزيز

لمّا ولي عمر بن عبدالعزيز الاموي (39) أمر برفع الحظر عن كتابة سنّة الرسول(ص)، وكتب إلى أهل المدينة ((أن انظروا حديث رسول اللّه (ص) فاكتبوه فإنِّي خفت دروس العلم وذهاب أهله)).

وكان ابن شهاب الزهري أوّل من دوّن الحديث على رأس المائة بأمر عمر بن عبدالعزيز(40).

غير أنّه لم يتمّ الامر؛ لوفاة عمر بن عبدالعزيز بالسمّ عام (101ه‍‍ )، وفُقد ما كان دوّن في عصره. فقد روى ابن حجر في ترجمة أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم (ت: 117ه‍‍ ) ما موجزه:

كتب إليه عمر بن عبدالعزيز، أن يكتب له العلم. وقال ابنه بعد وفاته: ضاعت تلك الكتب(41).

وكذلك لم يبق ما دوّن غيره من العلم، حتّى ولي أبو جعفر  المنصور وحرض العلماء على التدوين، قال الذهبي في ذكر حوادث سنة 143:

وفي هذا العصر شرع علماء الاسلام في تدوين الحديث والفقه والتفسير فصنف ابن جريج التصانيف بمكّة؛ وصنف سعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة؛ وصنف الاوزاعي بالشام؛ وصنف مالك الموطأ بالمدينة؛ وصنف ابن إسحاق المغازي؛ وصنف معمر باليمن؛ وصنف أبو حنيفة وغيره الفقه والرأي بالكوفة؛ وصنف سفيان الثوري كتاب الجامع، ثمّ بعد يسير صنف هشيم كتبه؛ وصنف الليث بمصر وابن لهيعة ثمّ ابن المبارك وأبو يوسف وابن وهب(42). وكثر تدوين العلم وتبويبه ودونت كتب العربية واللّغة والتاريخ وأيّام الناس. وقبل هذا العصر كان سائر الائمّة يتكلمون عن حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة. فسهل وِللّه الحمد تناول العلم وأخذ الحفظ يتناقص فللّه الامر كلّه(43).

ونقل الخبر عنه السيوطي في تاريخ الخلفاء ص261.

وجاء في موسوعة الفقه الاسلامي:

ولمّا حجّ المنصور سنة 143 رغب إلى مالك في تأليف (الموطأ) كما رغّب هو وولاته العلماء في التدوين.

وقد دوّن ابن جريج، وابن عروبة، وابن عيينة وغيرهم، ودوّن سائر فقهاء الامصار وأصحابهم(44).

قال المؤلّف:

ولا يناقض ما أوردناه هنا ما نقلوا عن وجود مدوّنات حديثية لبعضهم قبل هذا العصر مثل ما قالوا: أنّه كان للصحابي عبداللّه بن عمرو بن العاص الصحيفة الصادقة، وكذلك قالوا: كان للتابعي الزهري أحاديث مدوّنة. فإنّ أمثال ذينك المدوّنتين بلغ أسماؤها إلى العلماء في عصر تدوين الحديث فحسب.

ثمّ تسابق المحدِّثون بمدرسة الخلفاء بعد ذلك ـ وعلى عهد المنصور العباسي ـ‍ في تدوين ما بقي في ذاكرتهم من سنّة الرسول (ص) ، ودوّنوا معها كذلك ما روي عندهم تأييدا لاجتهادات الخلفاء في مقابل سنّة الرسول (ص) ـ كما سندرسها في البحوث الاتية إن شاء اللّه تعالى ـ، ودوّنوا معها أيضا أحيانا أحاديث إسرائيليّة ممّا درسناها في البحثين الحادي عشر والثاني عشر من سلسلة بحوث (أثر الائمّة في إحياء السنّة)، ومارسوا في عصور التأليف ـ أيضا ـ أنواعا من الكتمان لسنّة الرسول(ص) درسنا عشرة منها في بحث الوصيّة من الجزء الاوّل من هذا الكتاب. وسيأتي ذكر تقويمهم للموسوعات الحديثية بآخر الجزء الثالث، إن شاء اللّه تعالى.

وقد وجدت الاحاديث المتناقضة بعد وضع الحديث على عهد معاوية تأييدا لسياسة الخلفاء، كالاتي بيانه:

 


 

-39  أبو حفص عمر بن عبدالعزيز. ولي الخلافة سنة 99 فرفع اللّعن عن الامام علي، وأرجع فدكا إلى ورثة الزّهراء، وأمر بكتابة الحديث وله حسنات أُخرى. توفي سنة 101ه‍‍ . راجع ترجمته بتاريخ الخلفاء للسيوطي، وتقريب التهذيب لابن حجر، وفي شأن أمره بكتابة الحديث راجع مقدّمة الدارمي ص126، وطبقات ابن سعد ط. بيروت 7 / 447، ومصنف عبدالرزّاق ط. الهند عام 1980، 9 / 337، وأخبار أصبهان لابي نعيم 1 / 312، وتدريب الراوي للسيوطي ص90.

-40  فتح الباري 1 / 218،  باب كتابة العلم.

-41  راجع تهذيب التهذيب 12 / 39.

-42  ابن جريج: عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج المكّي، سمع جمعا من العلماء. يقال إنّه أوّل من صنّف الكتب، وكان أحمد بن حنبل يقول: كان ابن جريج من أوعية العلم. توفي سنة 151.

تذكرة الحفاظ 1 / 160. وابن خلكان 1 / 286. وتاريخ بغداد 10 / 400. ودول الاسلام للذهبي 1 / 79.

وحماد بن سلمة بن دينار البصري الرّبعي بالولاء، أبو سلمة، مفتي البصرة، وأحد رجال الحديث.

وهو أوّل من صنّف التصانيف المرضية. (ت: 167ه‍‍ ).

تهذيب التهذيب 2 / 11. وميزان الاعتدال 1 / 277. وحلية الاولياء 6 / 249. والاعلام للزركلي.

والاوزاعي: أبو عمرو عبدالرّحمن بن عمرو بن يحمد كيكرم إمام أهل الشام، ولم يكن بالشام أعلم منه، وكان يسكن بيروت، وكانت وفاته 157. والاوزاعي نسبة إلى أوزاع بطن من همدان ينسب إليه

الاوزاعي المذكور لا القرية الواقعة بدمشق خارج باب الفراديس.

الفهرست لابن إسحاق النديم 1 / 227. والوفيات 1 / 275. وحلية الاولياء 6 / 135.

وتهذيب الاسماء واللّغات، القسم الاوّل من الجزء الاوّل ص298.

ومعمر بن راشد بن أبي عمرو الازدي بالولاء، أبو عروة، فقيه، حافظ للحديث، من أهل البصرة. ولد واشتهر فيها وسكن اليمن. وهو عند مؤرخي رجال الحديث أوّل من صنف باليمن. (ت: 153ه‍‍ ).

تذكرة الحفاظ 1 / 178. وتهذيب التهذيب 10 / 243. وميزان الاعتدال 3 / 188.

وسفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبداللّه، وصفوه بأنّه أميرالمؤمنين في الحديث. ولد ونشأ في الكوفة. له من الكتب: الجامع الكبير. (ت: 161ه‍‍ ).

تهذيب التهذيب 4 / 111 ـ 115. وابن سعد 6 / 257. وابن النديم 1 / 225. ودول الاسلام 1/ 84. وحلية الاولياء 6 / 356. وابن خلكان 1 / 210. والليث بن سعد بن عبدالرّحمن الفهمي بالولاء. أبو الحارث، إمام أهل مصر في عصره حديثا وفقها.

كان كبير الديار المصرية ورئيسها، وأمير من بها في عصره، بحيث أنّ القاضي والنائب من تحت أمره ومشورته. أصله من خراسان وفاته في القاهرة وله تصانيف. (ت: 175ه‍‍ ).

تذكرة الحفاظ 1 / 207. وتهذيب التهذيب 8 / 459. ووفيات الاعيان 1 / 428. وابن لهيعة: كسفينة، أبو عبدالرّحمن عبداللّه بن لهيعة الحضرمي المصري، كان كثير الرواية في الحديث والاخبار، تولّى قضاء مصر بأمر المنصور الدوانيقي سنة 155 وصرف عن القضاء سنة 164 وحديثه مذكور في صحيحي الترمذي وابن داود وغيرهما، توفي بمصر سنة 174ه‍‍. ميزان الاعتدال 2 / 64. ووفيات الاعيان 1 / 249.

وابن المبارك: أبو عبدالرّحمن عبداللّه بن المبارك المروزي العالم الزاهد العارف المحدِّث، كان من تابعي التابعين. وروي عن أبي أُسامة، قال: ابن المبارك في أصحاب الحديث مثل أميرالمؤمنين في الناس. تاريخ بغداد 10 / 152. والكنى والالقاب 1 / 401.

وعبداللّه بن وهب بن مسلم الفهري بالولاء، المصري أبو محمّد، فقيه من الائمّة، من أصحاب مالك، جمع بين الفقه والحديث. له كتب منها: الجامع.

تذكرة الحفاظ 1 / 279. ووفيات الاعيان 1 / 249.

وسبق ذكر تراجم الاخرين.

-43  راجع تاريخ الاسلام للذهبي 6 / 6.

-44  إصدار المجلس الاعلى للشؤون الاسلاميّة في القاهرة ط. سنة 1386ه‍‍ ، 1 / 47. مقدّمة اللجنة للتأليف.