على عهد معاوية

عن عبداللّه بن عامر اليَحْصُبِيّ قال: سمعت معاوية على المنبر، بدمشق، يقول: [أيُّها النّاس!] إيّاكم وأحاديث رسول اللّه (ص) إلاّ حديثا كان يُذكَرُ على عَهْدِ عمر (رض) فإن عمر كان يخيف الناس في اللّه عزّ وجلّ(18).

وعن رجاء بن أبي سلمة قال: بلغني أنّ معاوية كان يقول: عليكم من الحديث بما كان في عهد عمر فانّه كان قد أخاف الناس في الحديث عن رسول اللّه (ص) (19).

روى الطبري أنّ معاوية لمّا استعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة إحدى وأربعين وأمّره عليها دعاه وقال له: أردت إيصاءك بأشياء كثيرة أنا تاركها اعتمادا على بصرك، ولست تاركا إيصاءك بخصلة: لاتترك شتم عليّ وذمّه، والترحُّم على عثمان والاستغفار له، والعيب لاصحاب عليّ والاقصاء لهم، والاطراء لشيعة عثمان والادناء لهم، فقال له المغيرة: قد جرّبت وجُرِّبت، وعملت قبلك لغيرك فلم يذممني وستبلو فتحمد أو تذمّ، فقال: بل نحمد إن شاء اللّه(20).

وروى المدائني في كتاب الاحداث وقال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمّة ممّن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته، وكان أشدّ البلاء حينئذ أهل الكوفة(21).

وفي هذا السبيل قتل حجر بن عدي وأصحابه صبرا، وقتل وصلب رشيد الهجري وميثم التمّار(22).

هكذا خنقت مدرسة الخلفاء أنفاس الصحابة والتابعين وقضت على من خالف سياستهم، وفي مقابل ذلك فتحت الباب لاخرين أن يتحدّثوا بين المسلمين كما يشاؤون وكما نشير إليه في يأتي: 


 

-18  مخطوطة تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر مصورة المجمع العلمي الاسلامي 9 / ق2 / 236 ب و 237 ب. شرف أصحاب، الحديث ص19.

-19  تذكرة الحفاظ للذهبي 1 / 7.

-20  في ذكر حوادث سنة 51ه‍‍  من كل من الطبري 2 / 112  و 113 و 2 / 38، وابن الاثير 3/ 102.

والمغيرة بن شعبة بن أبي عامر الثقفي، أُمّه أمامة بنت الافقم، أسلم عام الخندق وكان سبب إسلامه ما ذكره الواقدي في مغازيه 2 / 595 ـ 598  قال: كان قد خرج مع أربعة عشر إلى المقوقس فآثرهم عليه.

فلمّا رجعوا وكانوا بين خيبر والمدينة، شربوا خمرا فكف المغيرة عن بعض الشراب فسكر ثلاثة عشر من حلفائه فوثب عليه وقتلهم عن آخرهم وهرب الرابع عشر فأخذ أمتعتهم وأموالهم ولحق بالنبيّ وأظهر الاسلام.

فقال النبيّ: لا أخمِّسه هذا غدر، فدفع عمّه عروة بن مسعود ثلاثة عشر دية عنه، وفي زمن ولايته على البصرة شهدوا عليه بالزِّنا وأثر الخليفة عمر على أحد فحرف شهادته فدرأ عنه الحد، كما ذكرناه في فصل زنا المغيرة من: ((عبداللّه بن سبأ ج1)) ومات في ولايته على الكوفة سنة 50ه‍‍ . روى عنه أصحاب الصحاح 136 حديثا. ترجمته بأُسد الغابة، وجوامع السيرة ص278.

-21  برواية ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة عنه 3 / 15 و 16، ط. البابي الحلبي، وعام الجماعة يأتي تفسيره.

-22  حجر بن عدي بن معاوية الكندي المعروف بحجر الخير. وفد على النبيّ وشهد القادسية وشهد مع علي الجمل وصفين، وكان على كندة وعلى الميسرة بنهروان. ولمّا أنكر على زياد ابن أبيه لعن الامام علي وحصبه يوما لتأخيره الصلاة بعث به وبجماعته بأمر من معاوية إلى الشام فأمر معاوية بقتل من لم يتبرأ من الامام وقتل على ذلك حجر ((بمرج عذراء)) سنة إحدى وخمسين. راجع تفصيل قصّته في: ((عبداللّه ابن سبأ ج2))، فصل: حقيقة ابن سبأ والسبائية.

ورشيد الهجري نسبة إلى مدينة هَجَر باليمن. قيل هو رشيد الفارسي مولى بني معاوية من الانصار ترجمته في الاستيعاب وأُسد الغابة، وفي لغة الهجري من اللباب: عداده في أهل الكوفة، كان يؤمن بالرجعة وتكلم في ذلك بالكوفة، فقطع زياد لسانه وصلبه، ترجمته برجال الكشي ص78.

وميثم بن يحيى التمّار، كان عبدا لامرأة من بني أسد فاشتراه الامام علي وأعتقه، ولمّا جلبه ابن زياد قال: سلوني قبل أن اُقتل، فلمّا سأله الناس وحدّثهم أرسل ابن زياد من ألجمه بلجام، وهو أوّل من اُلجم في الاسلام. خبره في رجال الكشي ص 81 ـ 84.