على عهد عثمان

كان ما ذكرناه على عهد الخليفتين أبي بكر وعمر، أمّا عثمان فقد أقرَّ ذلك حيث قال على المنبر: ((لا يحلّ لاحد يروي حديثا لم يسمع به على عهد أبي بكر ولا على عهد عمر))(13).

ويظهر أن ما رواه الدارمي وغيره من: ((إن أباذر كان جالسا عند الجمرة الوسطى وقد اجتمع الناس يستفتونه، فأتاه رجل فوقف عليه، ثمّ قال: ألم تنه عن الفتيا؟ فرفع رأسه إليه، فقال: أرقيب أنت عليّ؟! لو وضعتم الصمصامة على هذه ـوأشار إلى قفاه‌ ـ‍ ثمّ ظننت أنِّي أنفذ كلمة سمعت من رسول اللّه (ص) قبل أن تجيزوا عليّ لانفذتها))(14).

وفي هذا العصر ـ أيضا ـ كان ما رواه الاحنف بن قيس قال: أتيت الشام فجمَّعت(15) فإذا رجل لاينتهي إلى سارية إلاّ خرَّ(16) أهلها، يصلِّي ويخفُّ صلاته. قال:

فجلست إليه، فقلت له: يا عبد اللّه! من أنت؟ قال: أنا أبوذرّ، فقال لي: فأنت من أنت؟

قال: قلت: الاحنف بن قيس. قال: قم عنِّي لا أُعديك بشرٍّ، فقلت له: كيف تعديني بشرٍّ؟ قال: إنّ هذا ـ يعني معاوية ـ نادى مناديه: ((ألاّ يجالسني أحد))(17).

ومن أجل مخالفته لاوامر السلطة، نفي أبوذر من بلد إلى بلد حتّى لقي حتفه طريدا فريدا بالربذة سنة 31ه‍‍ .

كان هذا في النصف الاوّل من خلافة عثمان، ولمّا انتكث أمره في النصف الثاني من خلافته وقام في وجهه أمثال أُمّ المؤمنين عائشة، وطلحة والزُّبير، وعمرو بن العاص وغيرهم من الصحابة والتابعين، لم يبق محظور أمام من أراد رواية سنّة الرسول(ص) من الصحابة، فنشر في هذا العصر شي‌ء منها، غير أنّها لم تدوّن على عهد الامام عليّ (ع).

روى الصحابة على عهده الشي‌ء الكثير من سنّة الرسول (ص) ممّا كان محظورا عليهم روايتها قبل عهده، وظهر الاختلاف جليّا في ما رووا من سنّة الرسول (ص) مع اجتهادات الخلفاء الثلاثة ممّا ذكرناه في آخر الفصل الرابع من هذا الكتاب.

هذه أمثلة ممّا كان على عهد الخلفاء الثلاثة من الحظر على الصحابة في نشر أحاديث الرسول (ص) ، غير أنّهم جمجموا في الكلام ولم يفصحوا عن السبب كما فعله معاوية على عهده.

  


 

-13  منتخب الكنز بهامش مسند أحمد 4 / 64.

-14  إنّما قلنا كان ذلك في عصر عثمان لانّ أحدا من الصحابة ما كان يجرؤ على تحدِّي أوامر السلطة على عهد الخليفة عمر، والرواية في سنن الدارمي 1 / 132، وطبقات ابن سعد 2 / 354 بترجمة أبي

‌ذر، واختزلها البخاري وذكرها في باب العلم قبل القول في صحيحه 1 / 161،

وأجاز على الجريح: أجهز عليه.

-15  فجمَّعت: أي حضرت الصلاة يوم الجمعة.

-16  لعلّ الصواب: فرّ أهلها.

-17  طبقات ابن سعد 4 / 168.

وأبو بحر الأحنف بن قيس التميمي السعدي لقِّب بالأحنف كان برجله. أدرك الرسول ولم يره. اعتزل الحرب في الجمل وشهد صفين مع الامام علي، وتوفي بالكوفة سنة سبع وستين. روى عنه جميع أصحاب الصحاح. ترجمته بأسد الغابة وتقريب التهذيب.