( 3 )
منع كتابة سنّة الرسول (ص)
إلى آخر
القرن
الاوّل الهجري
على عهد أبي بكر
روى الذهبي أن أبا بكر جمع الناس
بعد وفاة نبيِّهم فقال: ((إنّكم تحدّثون عن رسول اللّه (ص) أحاديث تختلفون فيها،
والناس بعدكم أشد اختلافا، فلا تحدّثوا عن رسول اللّه شيئا، فمن سألكم فقولوا بيننا
كتاب اللّه فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه))(7).
على عهد عمر
في طبقات ابن سعد: ((انّ الاحاديث
كثرت على عهد عمر بن الخطاب فأنشد الناس أن يأتوه بها فلمّا أتوه بها أمر
بتحريقها))(8).
منعت مدرسة الخلفاء من تدوين حديث
الرسول إلى رأس المائة من هجرة الرسول الاكرم (ص) ، وليتهم اكتفوا بذلك بل منعوا من
رواية حديثه كذلك.
وروي عن قرظة بن كعب أنّه قال:
((لمّا سيّرنا عمر إلى العراق مشى معنا عمر إلى صرار، ثمّ قال: أتدرون لم شيّعتكم؟
قلنا: أردت أن تشيعنا وتكرمنا، قال: انّ مع ذلك لحاجة، إنّكم تأتون أهل قرية لهم
دويّ بالقرآن كدويّ النحل فلا تصدّوهم بالاحاديث عن رسول اللّه وأنا شريككم، قال
قرظة: فما حدّثت بعده حديثا عن رسول اللّه (ص) )).
وفي رواية أُخرى: فلمّا قدم قرظة
بن كعب قالوا: حدّثنا، فقال: نهانا عمر(9).
وكان في الصحابة مثل قرظة بن كعب
ممّن تابعوا سنّة الخلفاء وامتنعوا عن نشر سنّة الرسول (ص) نظير عبداللّه بن عمر
وسعد بن أبي وقاص، فقد روى الدارمي في باب من هاب الفتيا بكتاب العلم من سننه 1 /
84 و 85: عن الشعبي قال: جالست ابن عمر سنة فما سمعته يحدِّث عن رسول اللّه (ص).
وفي رواية أُخرى عنه، قال: قعدت مع ابن عمر سنتين أو سنة ونصفاً فما سمعته يحدِّث
عن رسول اللّه (ص) شيئا إلاّ هذا الحديث.
وروى عن السائب بن يزيد، قال:
خرجت مع سعد ـ ابن أبي وقاص ـ إلى
مكّة فما سمعته يحدِّث حديثا عن رسول اللّه (ص) حتّى رجعنا إلى المدينة.
وكان في الصحابة من خالف سنّة
الخلفاء وروى سنّة الرسول (ص) فلقي من الارهاق ما نذكر أمثلة منه في ما يأتي:
في كنز العمال:
عن عبدالرّحمن بن عوف قال: ما مات
عمر بن الخطاب حتّى بعث إلى أصحاب رسول اللّه فجمعهم من الافاق عبداللّه بن حذيفة
وأبا الدرداء وأباذرّ وعقبة بن عامر، فقال: ما هذه الاحاديث الّتي أفشيتم عن رسول
اللّه في الافاق؟
قالوا: تنهانا؟
قال: لا، أقيموا عندي، لا واللّه
لاتفارقوني ما عشت، فنحن أعلم نأخذ منكم ونردّ عليكم، فما فارقوه حتّى مات(10).
وروى الذهبي أنّ عمر حبس ثلاثة ابن
مسعود وأبا الدرداء وأبا مسعود الانصاري فقال: أكثرتم الحديث عن رسول اللّه(11).
وكان يقول للصحابة: أقلّوا الرواية
عن رسول اللّه إلاّ في ما يعمل به(12).
هذه الرواية تتفق مع رواية
عبداللّه بن عمرو بن العاص في المغزى في أنّ قريشا نهته عن أن يكتب كلّ شيء سمعه
من رسول اللّه (ص) .
-7
تذكرة الحفّاظ للذهبي بترجمة أبي بكر 1 / 2 و 3.
-8
طبقات ابن سعد 5 / 140 بترجمة القاسم بن محمّد بن أبي بكر.
-9
أخرجها ابن عبدالبرّ بثلاثة أسانيد في جامع بيان العلم، باب ذكر من ذم الاكثار من
الحديث دون التفهم له 2 / 147، والخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث، ص88، وتذكرة
الحفاظ للذهبي 1 / 4 و 5.
وقرظة بن كعب أنصاري خزرجي، في أسد الغابة هو أحد العشرة الذين وجَّههم عمر مع عمار
بن ياسر الى الكوفة. شهد أحداً وما بعدها، وفتح الري سنة 23. ولاه عليّ على الكوفة
لمّا سار الى الجمل، وتوفي بها في خلافته. أسد الغابة 4/ 203.
-10
الحديث رقم 4865 من الكنز. ط. الاُولى 5 / 239، وط. الثانية 10 / 180، الحديث 1398،
ومنتخبه 4 / 62.
وعبدالرّحمن بن عوف القرشي الزهري، آخى الرسول بينه وبين عثمان من المهاجرين، وجعل
عمر تعيين الخليفة بيده في الشورى فصفق على يد عثمان، توفي بالمدينة عام 31 أو
32ه. روى عنه أصحاب الصحاح 65 حديثا. راجع فصل الشورى من كتاب: (عبداللّه بن سبأ)
الجزء الاوّل. وجوامع السيرة ص279.
وعبداللّه بن حذيفة لم أجد ترجمته ولعلّه عبداللّه بن حذافة القرشي، السهمي من
قدماء المهاجرين، مات بمصر في خلافة عثمان. تقريب التهذيب 1 / 409.
وأبو الدرداء عويمر أو عامر بن مالك الانصاري الخزرجي، وأُمّه محبّة بنت واقد ابن
الاطنابة، تأخّر إسلامه وشهد الخندق وما بعدها، آخى النبيّ بينه وبين سلمان،
وُلِّيَ قضاء دمشق على عهد عثمان، وتوفي بها عام 33 أو 32ه . روى عنه أصحاب
الصحاح 179 حديثا. أُسد الغابة 5 / 159 ، 160، 187 و 188. وجوامع السيرة ص277.
وعقبة بن عامر اثنان: جهني وروى عنه أصحاب الصحاح 55 حديثاً، أنصاري سلمي، أسد
الغابة 3/ 417، وجومع السيرة ص 179.
-11
تذكرة الحفّاظ 1 / 7 بترجمة عمر.
وابن مسعود، هو أبو عبدالرّحمن، عبداللّه بن مسعود الهذلي، وأُمّه أُمّ عبد بنت عبد
ود الهذلي. كان أبوه حليف بني زهرة. أسلم عبداللّه قديما وأجهر بالقرآن في مكّة
فضربوه حتّى أدموه وهاجر إلى الحبشة والمدينة، وشهد بدراً وما بعدها، وقطع عثمان
عطاءه سنتين لانكاره على الوليد ما ارتكبه زمان ولايته على الكوفة ومات سنة اثنتين
وثلاثين وأوصى أن لايصلِّي عليه عثمان. أُسد الغابة 3 / 256 ـ 260. ومستدرك الحاكم
3 / 315 و 320، وراجع أحاديث عائشة 62 ـ 65.
وأبو مسعود الانصاري عقبة بن عمرو البدري، اختلف في وفاته. أُسد الغابة 5 / 296.
-12
تاريخ ابن كثير 8 / 107.