الفصل الاوّل
موقف المدرستين من القرآن الكريم
اهتمام
الرسول (ص) والصحابة بجمع القرآن وتدوينه
ضجّة مفتعلة حول
مصحف فاطمة
اهتمام الرسول (ص) والصحابة بجمع
القرآن
وتدوينه
كان رسول اللّه
(ص) يتلو على عامّة من حضره من المسلمين كلّما نزلت عليه آيات من القرآن الكريم،
ويفسِّر لهم منها ما يحتاجون إلى تفسيرها، ويلقن ذلك خاصّة الامام عليّا (ع) ويأمره
بكتابتها كما يأتي بيانه في بحوث هذا الكتاب ـإن شاء اللّه تعالىـ.
ولمّا هاجر إلى
المدينة، حثّ المسلمين على تعلّم الكتابة، فتبادروا إليها، وحثّهم على كتابة القرآن
وحفظه، فتسابقوا إليهما، وكانوا يكتبون ما يتلقونه من آيات القرآن على ما حضرهم من
جلود وغيرها، وكان رسول اللّه (ص) يعلمهم أسماء السور ومكان الايات في السور كما
علّمه اللّه، ولمّا توفّاه اللّه كان في المدينة عشرات الصحابة ممّن حفظ جميع
القرآن، وكثير من الصحابة من كتب جميع القرآن، غير أنّ ما لديهم لم يكن كتابا مدونا
كما هو عليه اليوم، وإنّما كان أوزاعا في قطع كتبوه عليها، ولمّا توفي الرسول (ص)
بادر الامام عليّ (ع) إلى تدوين القرآن في كتاب واحد، كما أنّ عددا من الصحابة ـ
غير الامام أيضا مثل ابن مسعود ـ كانت لديهم نسخة من القرآن مدونة، لكن الخليفة أبا
بكر لم يقتن تلك النسخ، بل أمر جمعا من الصحابة بتدوين القرآن ككتاب، ثمّ أودعه عند
أُمّ المؤمنين حفصة، حتّى إذا كان عصر الخليفة عثمان، واتسعت الفتوح، وانتشر
المسلمون، أمر الخليفة باستنساخ عدّة نسخ على النسخة المحفوظة لدى حفصة، ووزّعها
على بلاد المسلمين، واستنسخ المسلمون على تلك النسخ وتداولوها جيلاً بعد جيل إلى
يومنا الحاضر، ولم يكن لدى أحد من المسلمين في يوم ما نسخة غيرها، ولم يكن في يوم
من الايّام لدى أحد من المسلمين نسخة فيها زيادة كلمة أو نقصان كلمة على هذا
المتداول اليوم بين المسلمين سواء في ذلك جميع فرق المسلمين: سنِّيهم وشيعيِّهم،
أشعريِّهم ومعتزليِّهم، حنفيِّهم وشافعيِّهم، حنبليِّهم ومالكيِّهم، زيديِّهم
وإماميِّهم، ووهابيِّهم إلى الخوارج. لم تكن لدى فرقة منها أو غيرها في يوم من
الايّام نسخة فيها زيادة كلمة أو نقصان كلمة، أو أنّ ترتيب السور والايات فيها
مخالف لهذا المتداول بين المسلمين اليوم.
أمّا ما جاء في بعض
كتب الحديث من نقص مزعوم في القرآن الكريم، فقد بقي في مكانه من كتب الحديث ولم
ينتقل إلى نسخة واحدة من نسخ القرآن في يوم من الايّام، مثل ما جاء في الصحاح
الستّة: البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي وابن ماجة والدارمي وغيرها:
عن الخليفة عمر
(رض) أنّه قال وهو على المنبر: ((إنّ اللّه بعث محمّدا (ص) بالحقّ، وأنزل عليه
الكتاب. فكان ممّا أنزل اللّه ((آية الرجم)) فقرأناها وعقلناها ووعيناها رَجَمَ
رسول اللّه (ص) ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل واللّه ما نجد
آية الرجم في كتاب اللّه فيضلوا بترك فريضة أنزلها اللّه، والرجم في كتاب اللّه حقّ
على من زنى إذا اُحصن))(62).
والاية المزعومة في
رواية ابن ماجة عن عمر قال وقد قرأتها: ((الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما
ألبتة)). وفي موطأ مالك: ((الشيخ والشيخة فارجموهما ألبتة)) فإنّا قد قرأناها.
وفي الحديث نفسه في
صحيح البخاري: ثمّ إنّا كنّا نقرأ من كتاب اللّه: ((أن لاترغبوا عن آبائكم، فإنّه
كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم)).
والحديث المروي عن
أُمّ المؤمنين عائشة (رض) أنّها قالت: كان في ما اُنزل من القرآن ((عَشر رَضَعَاتٍ
مَعلوماتٍ)) فتوفي رسول اللّه (ص) وهي في ما يقرأ من القرآن(63).
وفي صحيح ابن ماجة:
قالت: نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشرا، ولقد كان في صحيفة تحت سريري، فلمّا مات
رسول اللّه (ص) تشاغلنا بموته فدخل داجن فأكلها.
وفي صحيح مسلم أن
أبا موسى الاشعري بعث إلى قرّاء أهل البصرة وكانوا ثلاثمائة رجل، فقال في ما قال
لهم: وإنّا كنّا نقرأ سورة كنّا نشبهها في الطول والشدّة ببراءة فاُنسيتها غير
أنِّي قد حفظت منها «لَو كَانَ لا بنَ آدَم وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لاَبْتَغَى
وادِيا ثَالِثا وَلاَ يَمْلاَ ُ جَوفَ ابنِ آدَم إِلا التُّرَاب».
وكنّا نقرأ سورة
كنّا نشبهها بإحدى المسبّحات فلُنسيتها غير أنِّي حفظت منها «يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ فَتُكتَب شَهَادَةٌ فِي
أَعْنَاقِكُمْ فَتُسْأَلونَ عَنهَا يَوم القِيَامَة»(64).
*
*
*
مع وجود هذه
الاحاديث في صحاح مدرسة الخلفاء، لم يَرمِ أحدٌ من أتباع مدرسة أهل البيت أتباع
مدرسة الخلفاء ويقول إنّ أتباع مدرسة الخلفاء يقولون بنقصان القرآن، أو إنّهم
يضيفون إلى القرآن سورا وجملاً من عند أنفسهم.
وعلى العكس من ذلك
لما جاءت نظير هذه الاقوال في بعض كتب حديث أتباع مدرسة أهل البيت، أثار بعض
الكُتّاب بمدرسة الخلفاء ضجّة كبرى على أتباع مدرسة أهل البيت وقالوا إنّهم يقولون
بنقصان القرآن ويضيفون إلى القرآن من عند أنفسهم عبارات وجملات، ويستدلون على قولهم
بما جاء في بعض كتب الحديث.
على أن أتباع مدرسة أهل البيت
لايلتزمون صحّة كتابٍ ما عدا كتاب اللّه، وأتباع مدرسة الخلفاء يلتزمون صحّة جميع
ما جاء في صحيح البخاري ومسلم، ويعالجون هذه الاحاديث بقولهم نسخت تلاوتها
(65).
62
أ ـ البخاري 4 / 120، باب رجم الحُبلى من الزِّنا من كتاب الحدود، واللّفظ
له.
ب
ـ ومسلم 5 / 116.
ج
ـ وسنن أبي داود 2 / 229، باب في الرجم من كتاب الحدود.
د
ـ والترمذي 6 / 204، باب ما جاء في تحقيق الرجم من كتاب الحدود.
ه ـ وابن ماجة، باب الرجم من كتاب الحدود، الحديث المرقم 2553.
و
ـ والدارمي 2 / 179، باب في حدّ المحصنين بالزِّنا من كتاب الحدود.
ز
ـ والموطأ 3 / 42، كتاب الحدود.
63
أ ـ صحيح مسلم 4 / 167، باب التحريم بِخَمْس رَضَعات، من كتاب الرّضاع.
ب
ـ وأبو داود 1 / 279، باب هل يحرم ما دون خمس رضعات، من كتاب النّكاح.
ج
ـ والنِّسائي 2 / 82، باب القدر الّذي يحرم من الرّضاع، من كتاب النّكاح.
د
ـ وابن ماجة 1 / 626، باب رضاع الكبير، من كتاب النّكاح الحديث 1944.
ه ـ والدارمي 1 / 157، باب كم رضعة تحرم، من كتاب النّكاح.
و
ـ وموطأ مالك 2 / 118، باب جامع ما جاء في الرّضاعة، من كتاب الرضاع.
64
صحيح مسلم 3 / 100، باب لو أن لابن آدم واديين لابتغى واديا ثالثا، من كتاب
الزّكاة.
65
صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب رجم الحُبلى من الزِّنا، ح1، وصحيح مسلم كتاب،
الحدود، باب رجم الثيب في الزِّنا، ح15.