ثانيا ـ الاجتهاد في اصطلاح المسلمين

قال الغزالي في تعريف الاجتهاد: ((هو عبارة عن بذل المجهود واستفراغ الوسع في فعل من الافعال. ولا يستعمل إلاّ في ما فيه كلفة وجهد... لكن صار اللّفظ في عرف العلماء مخصوصا ببذل المجتهد وُسعَه في طلب العلم بأحكام الشريعة...))(57).

وقال الدهلوي: ((حقيقة الاجتهاد استفراغ الجهد في إدراك الاحكام الشرعية من أدلّتها التفصيلية الراجعة كلياتها إلى أربعة أقسام: الكتاب والسنّة والاجماع والقياس))(58).

وكذلك عرّف محمّد أمين أدلّة الاحكام في كتاب تيسير التحرير(59).

كان هذا لدى أتباع مدرسة الخلفاء، وقد شاع هذا الاصطلاح لدى علماء مدرسة أهل البيت بعد القرن الخامس كما جاء في كتاب مبادئ الوصول للعلاّمة الحلّي (ت: 726ه‍‍ ) في الفصل الثاني عشر، البحث الاوّل في الاجتهاد ما ملخصه:

((الاجتهاد: هو استفراغ الوسع في النظر في ما هو من المسائل الظنّية الشرعية، على وجه لا زيادة فيه.

ولا يصحّ في حقّ النبيّ (ص) لقوله تعالى: (وَمَا يَنطِق عَنِ الهَوَى) (النّجم / 3).

ولانّ الاجتهاد إنّما يفيد الظنّ، وهو (ع) قادر على تلقيه من الوحي. ولانّه كان يتوقف في كثير من الاحكام حتّى يرد الوحي، ولو ساغ له الاجتهاد لصار إليه.

ولانّه لو جاز له، لجاز لجبرئيل (ع) .

وذلك يسدّ باب الجزم، بأنّ الشرع الّذي جاء به محمّد (ص) من اللّه تعالى.

ولانّ الاجتهاد قد يخطئ وقد يصيب، فلا يجوز تعبّده (ص) به لانّه يرفع الثقة بقوله.

وكذلك لايجوز لاحد من الائمّة (ع) الاجتهاد عندنا، لانّهم معصومون، وإنّما أخذوا الاحكام بتعليم الرسول (ص)، وأمّا العلماء فيجوز لهم الاجتهاد، باستنباط‍ الاحكام من العمومات، في القرآن والسنّة، وبترجيح الادلّة المتعارضة.

امّا بأخذ الحكم من القياس والاستحسان فلا))(60).

*             *              *

 ونرى أنّ علماء مدرسة أهل البيت حين استعملوا مصطلح الاجتهاد والمجتهد لم يتركوا اصطلاح الفقه والفقيه بل جمعوا بين الاصطلاحين كما فعل ذلك جمال الدين صاحب المعالم فإنّه قال في أوّل كتابه كما مرّ علينا:

((الفقه في اللّغة: الفهم. وفي الاصطلاح: هو العلم بالاحكام الشرعية الفرعية عن أدلّتها التفصيلية)).

وعقد بعد ذلك فصلاً لتعريف الاجتهاد، وقال في فصل آخر:

((الاجتهاد في اللّغة: تحمّل الجهد... وأمّا في الاصطلاح: فهو استفراغ الفقيه وسعه في تحصيل الظنّ بحكم شرعيّ...))(61).

*             *              *

 وبالاضافة إلى ما سبق تختلف المدرستان في بعض أدلّة الاحكام الشرعية كما سنبيّنه في ما يأتي إن شاء اللّه تعالى.

*             *              *

 بعد دراستنا للمصطلحات الخمسة الماضية، ندرس في ما يأتي بحوله تعالى موقف المدرستين من كلّ منها.

  


 

57  أبو حامد محمّد الغزالي (ت: 505ه‍‍ ) في كتاب المستصفى في أُصول الفقه، ط. مصطفى البابي بمصر سنة 1356ه‍‍ ،  2 / 101، راجع ترجمته بكشف الظنون 2 / 1673، وراجع الاحكام للامدي 4 / 141.

58  نقل ذلك محمّد فريد وجدي في مادّة جهد من دائرة معارف القرن العشرين 3 / 236 عن رسالة الانصاف في بيان سبب الاختلاف لاحمد بن عبدالرّحيم الدهلوي الفاروقي الحنفي المحدّث الفقيه (ت: 1176 أو 1179ه‍‍ ) ترجمة الزركلي في الاعلام 1 / 144.

59  أصل الكتاب اسمه التحرير في أُصول الفقه للعلاّمة كمال الدين محمّد بن عبدالواحد الشهير بابن همام الحنفي (ت: 861ه‍‍ ) وشرحه تلميذه الفاضل محمّد بن محمّد بن أمير الحاج الحلبي الحنفي (ت: 879ه‍‍ ) وشرح الشرح المحقِّق محمّد أمين، المعروف بأمير بادشاه البخاري، نزيل مكّة، وسمّاه تيسير التحرير.

ورجعنا إليه، ط. مصطفى البابي بمصر، سنة 1351ه‍‍ ، 1/ 171، راجع تراجمهم بكشف الظنون 1 / 358.

60  مبادئ الوصول إلى علم الاُصول، ص 240 و 241.

61  معالم الدين، المطلب التاسع في الاجتهاد والتقليد، ص381.