( 7 )

الاجتهاد في القرن الثاني فما بعد

واسـتنباط الاحكام من عمل الصـحابة

 الاجتهاد: حقيقته، تطوّره، أدلّة صحّة العمل به

حقيقة الاجتهاد ـ كما أشرنا إليها في ما سبق ـ هي العمل الرأي، ومنشأه عمل الصحابة والخلفاء بآرائهم، واقتداء أتباعهم بهم في ذلك. وفي ما يلي بيانه:

قال الدواليبي(137): كانت ترد على الصحابة أقضية لايرون فيها نصّا من كتاب أو سنّة، وإذ ذاك كانوا يلجأون إلى الاجتهاد، وكانوا يعبِّرون عنه بالرأي أيضا، كما كان يفعل أبو بكر  ... وكذلك كان عمر يفعل...

ثمّ استشهد بما روي أنّ عمر كتب به إلى شريح وإلى أبي موسى، وقال: ولم يكن الصحابة في اجتهادهم يعتمدون على قواعد مقرّرة، أو موازين معروفة، وإنّما كان معتمدهم ما لمسوا من روح التشريع... ثمّ قال:

وهذه المعرفة تتوفّر لمن جاء بعدهم بنفس السهولة... ولذلك لم يلبث الاجتهاد بعدهم أن تطوّر تطوّرا محسوسا... ومتأثرا إلى حدّ كبير بمحيط المجتهد، وكان ذلك مدعاة إلى اشتداد النزاع العلمي في مادّة الاحكام كلّما اشتدّ البعد بين المجتهدين وعصر التنزيل، وهذا ما حمل رجال الاجتهاد على وضع قواعدهم في الاجتهاد، وسمّوه بعلم أُصول الفقه، وأصبح الاجتهاد في دوره الثاني هذا متميّزا عن دوره الاوّل بما وضع له من قواعد وقوانين جعلت أُصوله معلومة بعد أن كان الذوق السليم لاسرار الشريعة وحده هو الميزان والمعيار(138).

وقال في باب مصادر الحكم المعترف بها في القرآن:

إنّ أوّل مصدر للحكم والحقوق يعترف به القرآن هو آياته.

وثانيا: هو السنّة، فقد قال (وما آتاكُمُ الرسولُ فَخُذُوه...).

وثالثا: يعتبر القرآن من مصادر الحكم والحقوق ما اعترفت به السنّة مثل الاجماع والاجتهاد(139).

هكذا جعل للتشريع أربعة مصادر أو أربعة أُصول:

أ ـ الكتاب.

ب ـ السنّة.

ج ـ الاجماع.

د ـ الاجتهاد.

وقال الدواليبي: يتبيّن ممّا ذكرنا أنّ الاصل الرابع يسمّى بالاجتهاد، وبالرأي، وبالعقل(140).

نكتفي بهذا المقدار من البيان هنا لنعود إليه بعد عرض أدلّتهم على صحّة العمل بالاجتهاد.

 


 

137  في كتاب: المدخل إلى علم أُصول الفقه، تأليف محمّد معروف الدواليبي، أُستاذ علم أُصول الفقه والقانون الروماني في كلِّيّة الحقوق، دكتور في الحقوق من جامعة باريس، حامل شهادة الدراسات العليا في الحقوق الرومانيّة، مجاز في العلوم الاسلاميّة من الكلِّيّة الشرعيّة بحلب. ط. دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، سنة 1385ه‍‍  1965م.

138  المدخل ص 14 ـ 17 ذكرنا قوله باختصار.

139  المدخل ص30.

140  المدخل ص53.