الامامة لدى مدرسة أهل البيت
(ع)
كانت تلكم آراء مدرسة الخلفاء في الامامة والخلافة وأدلّتهم. أمّا
مدرسة أهل البيت فإنّها تستدلّ بخطاب اللّه لابراهيم وقوله له : (إنِّي جاعِلُكَ
لِلناسِ إماما ) وجواب اللّه لطلب إبراهيم حين قال : ( وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا
يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِين ) على أنّ الامامة عهد من اللّه لا يناله الظالم لنفسه
أو لغيره.
وتستدلّ بقوله تعالى في حقّ أهل البيت : ( إنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ
عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا ) على عصمة أهل البيت
محمد وأهل بيته ـ صلوات اللّه عليهم أجمعين ـ من الذنوب، وكذلك تستشهد بسيرة أهل
البيت، حيث لم يسجّل منهم في التأريخ أمر مخالف للعصمة.
أمّا الادلّة على إمامتهم فإنّنا إذا درسنا سيرة الرسول في أمر تعيين وليّ الامر من
بعده نجد أنّه لم يغب عن بال الرسول (ص) ومن حوله أمر الامامة من بعده، فإنّ بعضهم
طلب من الرسول أن يكون لهم الامر من بعده فأجابه الرسول:
((الامر إلى اللّه يضعه حيث يشاء)) وأخذ منهم البيعة في إقامة المجتمع الاسلامي
((أن لا ينازعوا الامر أهله)) وعيّن الامام عليّا في أوّل يوم دعا إلى الاسلام
وزيرا له وخليفة من بعده، وشاهدناه ـ أيضا ـ يستخلف على المدينة كلّما غاب عنها
لامرٍ ما وإن كانت المسافة ميلا أو أقلّ من ذلك.
وكذلك لم يترك اُمّته هملا أبد الدهر، وفعل (ص) كما فعل الرسل من قبله في تعيينهم
الاوصياء من بعدهم وإخبارهم اُممهم بذلك، وعيّن وصيّه ووليّ الامر من بعده في أماكن
مختلفة وأزمنة متعدّدة بأقوال تواترت عنه مثل قوله (ص) لسلمان عندما سأله عن وصيّه
من بعده :
((إنّ وصيّي وموضع سرّي... عليّ بن أبي طالب (ع))) إلى غير هذا من أحاديث النبيّ
(ص) التي نصّ فيها (ص) على أنّ عليا وليّ الامر من بعده، ولذلك اشتهر الامام عليّ
بلقب الوصيّ مدى القرون، وجاء ذكره في أشعار الشعراء وأقوال الخطباء واحتجاجات
المناظرين صحابة وتابعين وعلماء وخلفاء واُمراء، كما مرّ بنا أمثلة منها.
ولمّا كان اشتهار الامام بأنّه وصيّ خاتم الانبياء يخالف سياسة الخلفاء واتّجاه
مدرستهم، بالغوا جيلا بعد جيل في كتمان أحاديث الرسول (ص) التي نصّ فيها على أنّ
عليّا (ع) وصيّه سواء كان التعيين بلفظ الوصيّ أو بألفاظ اُخرى مثل الوليّ واُولي
الامر. وقد ذكرنا عشرة أمثلة من أنواع كتمانهم في ما سبق مثل حذفهم بعض الحديث
وتبديله بكلمة مبهمة، كما فعلوا مع نصّ ((وصيّي وخليفتي
فيكم)) الذي جاء في سنّة الرسول (ص) فإنّهم حذفوه وأبدلوه بقولهم : (وكذا وكذا).
وتأويلهم بعض النصوص من سنّة الرسول في هذا الشأن.
ومثل نهيهم عن كتابة سنّة الرسول.
وقتلهم من خالفهم في ذلك مثل قتل النسائي أحد أصحاب الصحاح الستّة الذي كتب (خصائص
الامام عليّ).
ولم يقتصر نهيهم عن نشر الحقائق بالنصوص الواردة في حقّ الائمة الاثني عشر، بل شمل
النهي كلّ ما يخالف مصلحة السلطة الحاكمة، فقد قال رسول الخليفة يزيد لعبد اللّه بن
الزبير، عندما خلع يزيد وقد اجتمعوا في بيت اللّه بمكّة :
يا
ابن الزبير، أتصعد المنبر وتتكلّم في أمير المؤمنين بكلّ قبيح ثمّ تشبّه نفسك بحمام
مكّة ؟ ثمّ قال : يا غلام ! ائتني بقوسي وسهمي. قال : فاُتي بقوسه وسهامه، فأخذ
سهما فوضعه في كبد قوسٍ ثمّ سدّده نحو حمام مكّة.
وقال : يا حمامة، أيشرب أمير المؤمنين ؟ قولي : نعم ! أما واللّه لو قلت : نعم، لما
أخطأك سهمي هذا. يا حمامة : أيلعب أمير المؤمنين بالقرود والفهود ويفسق في الدين ؟
قولي : نعم ! أما واللّه لئن قلت : نعم لا أخطأك سهمي هذا...(272).
وفي شأن وصيّ الرسول (ص) خاصّة بالغوا في قلب الحقائق إلى حدّ أنّهم لعنوه في خطب
صلاة الجمعة زهاء تسعين عاما في جميع بلاد المسلمين عدا سجستان (سيستان)، ومع كلّ
ذلك الحجر والشدّة المتناهية فيه ـ إلى حدّ قتل من روى عن الرسول (ص) في فضله حديثا
ـ مع كلّ ذلك انتشر شيء ممّا يضرّ بمصلحة الخلفاء في بعض كتب الحديث والتفسير
والسيرة وما شابهها، فعالج ذلك أتباع مدرستهم بإحراق مكتبات كان فيها مئات الاُلوف
من الكتب بخطوط مؤلّفيها(273) لما فيها من شيء يضرّ مصلحة الخلفأ، وبعد كلّ تلك
الشدّة في منع نشر الحقائق بقي في سنّة الرسول (ص) التي بأيدينا من طرق مدرسة
الخلفاء النصوص الاتية في أئمة أهل البيت. مثل قوله (ص) :
((عليّ منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي)).
وفي غدير خمّ لمّا أمره اللّه أن يعيّن وليّ الامر من بعده ونزلت آية:
(
يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغ ما اُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ
فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) صعد منبرا من أحداج
الابل ورفع عليّا.
وقال : ((اللّه مولاي وأنا مولاكم فمن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللّهم والِ مَن
والاه وعادِ مَن عاداه)) وتوّج عليّا بعمامته السحاب فنزلت آية :
(
اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ
لَكُمُ الاسْلامَ دِينا).
ونزلت فيه :
(
إنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالذِينَ آمَنُوا الذِينَ يُقِيمُونَ
الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ).
وقال في حقّ كلّ من الحسنين :
((هذا منّي)).
وقال : ((الحسن والحسين سبطان من الاسباط)).
وفي حقّ الائمة من بعده : الا مام عليّ والاحد عشر من بنيه. أخبر الرسول :
أنّهم اُولو الامر في آية :
(
يا أيُّها الذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللّهَ وَأطِيعُوا الرَّسُولَ وَاُولِي الامْرَ
مِنْكُمْ).
وفيهم قال رسول اللّه (ص) :
((مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها
غرق)).وجعلهم أعدال القرآن وقال :
((إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي ما إنْ تمسّكتم بهما لن
تضلّوا من بعدي، وقد أنبأني اللطيف الخبير أنّهما لا يفترقان حتّى يردا عليّ
الحوض)).
ويظهر من قول الرسول هذا : أنّ أحد الائمة لا بدّ أن يطول عمره ويبقى مع القرآن إلى
يوم القيامة.
وعيّن عددهم في قوله :
((لا يزال هذا الدين قائما حتّى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر)).
وفي رواية :
((لا يزال أمر الناس ماضيا إلى اثني عشر)).
وفي رواية بعدها :
((ثمّ يكون المرج والهرج)).
وفي رواية :
((فإذا هلكوا ماجت الارض بأهلها)).
وفي رواية قال عن عددهم أنّهم اثنا عشر عدّة نقباء بني إسرائيل.
ولا تصدق هذه الروايات على غير الائمة الاثني عشر من أهل بيت رسول اللّه (ص) الذين
طال عمر آخرهم وبعدهم يكون فناء الدنيا. وبما أنّ علماء مدرسة الخلافة لم يرتضوا
أئمة أهل البيت، فقد حاروا في تفسير هذه الروايات الصحيحة ولم يستطيعوا تأويلها بما
يرضون به أنفسهم.
وفي ما يأتي أسماء اُولئك الاثني عشر كما نصّ عليهم الرسول (ص) في أحاديث اُخرى له
:
272 تمام الخبر مع ذكر مصادره في ذكر خبر (ثورة أهل الحرمين)
في ما يأتي من الجزء الثالث من هذا الكتاب.
273 راجع قبله بحث (إحراق الكتب والمكتبات).