مناقشة  آراء  مدرسة  الخلفاء   في  أمر  الخلافة  والامامة

 أوّلا  ـ  الشورى :

إنّ أوّل من ذكر الشورى لاقامة الخلافة هو الخليفة عمر بن الخطاب، ولم يستند في ذلك إلى دليل من الكتاب والسنّة بل اعتمد اجتهاده الخاصّ فمن اتّخذ سيرة الصحابة وأقوالهم في عداد كتاب اللّه وسنّة رسوله من مصادر الشريعة الاسلامية فله أن يتّخذ من السنّة العمرية هذه سندا لهذا الحكم في إقامة الخلافة.

على أنّ سنّته هذه مخالفة لسنّته وسنّة الخليفة الاوّل أبي بكر في إقامة حكم الخليفة الاوّل أبي بكر فإنّها كانت فلتة حسب تعبير الخليفة عمر وتقييمه لها وكذلك مخالفة ـ أيضا ـ لسنّتهما في إقامة حكم الخليفة الثاني عمر بن الخطاب فإنّ الخليفة الاوّل ولّى الخليفة عمر على المسلمين من بعده، وكلاهما لم يستشيرا المسلمين في كلا المقامين، ومخالفة ـ أيضا ـ لقول الخليفة عمر : لو كان أبو عبيدة حيّا لاستخلفته ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّا لاستخلفته، فإنّ هذا القول يخالف الالتزام بالشورى !

وعلى فرض صحّة إقامة الخلافة على أساس الشورى العُمَرية، فكيف ينبغي أن تكون الشورى، وكم ينبغي أن يكون عدد المتشاورين ؟ في الاغلب قالوا ينحصر عدد المتشاورين في ستّة، يبايع خمسة منهم السادس، أضف إلى ما سبق السؤال عن المسوّغ لاعطاء عبد الرحمن بن عوف خاصّة حقّ اتّخاذ القرار النهائي من دون الاخرين في تلك الشورى. ثمّ ما المسوّغ لقتل من خالف قرار عبد الرحمن ورأيه ؟ ثمّ من الذي كان يُخشى منه المخالفة لرأي عبد الرحمن من دون الاخرين ؟ وأخيرا هل اتّبعت مدرسة الخلافة الشورى العمرية مرّة واحدة وأقامت الخلافة كذلك لواحد من الخلفاء طوال القرون ؟

هذه أمثلة تتوارد على الشورى العمرية.

أمّا ما استدلّ به أتباع مدرسة الخلفاء في هذا الصدد، فما كان من استدلالهم بالاية الكريمة : ( وَأمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ ) فإنّه لا يستفاد منها أكثر من رجحان التشاور بين المؤمنين في اُمورهم، فإنّه سبحانه وتعالى لو أراد الوجوب في هذا الامر لقال : كتب اللّه على المؤمنين أو قال : فرض عليهم، إلى ما شابههما من الالفاظ الدالّة على وجوب الفعل على المؤمنين.

وما كان من استدلالهم بآية ( وَشاوِرْهُمْ فِي الامْرِ ) فقد أوضحنا في ما سبق بأنّ الاية في مقام توجيه الرسول (ص) أن يدعو المسلمين إلى القتال باُسلوب المشاورة؛ وليس باُسلوب الملوك الجبابرة الذين يلقون أوامرهم إلى الناس بقولهم مثلا : أصدرنا أمرنا الملكي بكذا. وقد صرّح الجليل سبحانه بعد هذه الجملة بأنّ رأي المسلمين ليس ملزما لرسول اللّه (ص) حيث قال : ( فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ )، إذا فالقيام بالعمل يكون على أساس عزم الرسول (ص) وليس على ما يرتئيه المؤمنون، ويوضح ذلك بجلاء الامثلة التي ذكرناها من مشاورة الرسول المسلمين في موارد كانت عاقبة الامر معلومة لرسول اللّه مسبقا مثل مشاورته إيّاهم للقتال في غزوة بدر.

ثمّ إنّ مشاوراته (ص) كانت في مقام استجلاء رأي المسلمين في كيفية تنفيذ الاحكام الاسلامية وليست في مقام استنباط الحكم الشرعي بالتشاور، أضف إلى ذلك أنّ اللّه تعالى قال : ( وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللّهُ وَرَسُولُهُ أمْرا أنْ  يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينا ) الاحزاب / 36.

إذا فإنّ رجحان المشاورة ينحصر بمورد لم يقضِ اللّه ورسوله (ص) فيه أمرا، وفي ما قضى اللّه ورسوله (ص) فيه أمرا، تكون المشاورة معصية للّه ورسوله (ص) وضلالا مبينا.