سقيفة  بني  ساعدة  وبيعة  أبي  بكر :

اجتمعت الانصار في سقيفة بني ساعدة وجثمان رسول اللّه (ص) بين أهله يغسلونه، وأخرجوا سعد بن عبادة ـ وكان مريضا ـ فذكر سابقة الانصار وقال :

استبدّوا بهذا الامر، فأجابوا : قد وفّقت في الرأي ولن نعدو ما رأيت، نولّيك هذا الامر. فسمع بذلك أبو بكر وعمر فأسرعا مع جماعتهما إلى السقيفة، وذكر أبو بكر سابقة المهاجرين وقال : هم أولياؤه وعشيرته وأحقّ الناس بهذا الامر من بعده ولا ينازعهم ذلك إلاّ ظالم.

فقال الحباب بن المنذر : يا معشر الانصار املكوا عليكم أمركم، فإنّ الناس في فيئكم ولن يجترئ مجترئ على خلافكم فإن أبى هؤلاء إلاّ ما سمعتم، فمنّا أمير ومنهم أمير.

فقال عمر : هيهات لا يجتمع اثنان في قرن... لا ترضى العرب أن يؤمّروكم ونبيّها من غيركم.

وهدّد أحدهما الاخر بالقتل.

فقالت الانصار أو بعض الانصار : لا نبايع إلاّ عليّا. فتخوّف عمر من الاختلاف وقال لابي بكر : ابسط يدك اُبايعك. وسبقه بشير بن سعد وبايع، فناداه الحباب بن المنذر : عققت عقاق أنفست على ابن عمّك الامارة ! ؟

وبابع عمر وأبو عبيدة، وقالت الاوس : لئن وليتها الخزرج مرّة لا زالت لهم الفضيلة عليكم وما جعلوا لكم فيها نصيبا، فبايعوا أبا بكر، فانكسر على سعد ابن عبادة والخزرج وكادوا يطأون سعد بن عبادة، فقال أصحابه : اتّقوا سعدا لا تطأوه.

فقال عمر : اقتلوه قتله اللّه.

ثمّ قام على رأسه فقال : لقد هممت أن أطأك حتّى تندر(260) عُضْوك. فأخذ قيس ابن سعد بلحية عمر فقال : واللّه لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة.

فقال أبو بكر : مهلا يا عمر، الرفق ها هنا أبلغ. فأعرض عنه عمر.

فحمل سعد إلى بيته.

واُخرج أبو بكر من السقيفة، وجاءت قبيلة أسلم فبايعت، فانتصر بهم أبو بكر، وأقبلت الجماعة تزفّه إلى مسجد رسول اللّه (ص). فصعد المنبر، وشغلوا عن دفن رسول اللّه حتّى كان يوم الثلاثاء، فجاؤوا إلى المسجد ثانية فجلس أبو بكر على منبر رسول اللّه ووقف عمر وقال : إنّ قوله بالامس لم يكن من كتاب اللّه ولا عهدا من رسوله، ولكنّه كان يرى أنّ الرسول (ص) سيدبّر أمرهم ويكون

آخرهم، وإنّ اللّه أبقى فيهم القرآن يهتدون به، وقد جمع أمركم على صاحب رسول اللّه، قوموا فبايعوه، فبايعه الناس عندئذ بعد بيعة السقيفة، ثمّ خطب أبو بكر فقال :

قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني....

شغلوا عن رسول اللّه بقيّة الاثنين وليلة الثلاثاء ويوم الثلاثاء، وصلّى المسلمون على رسول اللّه زمرا زمرا، وخلّى أصحاب رسول اللّه (ص) بين جثمانه وأهله، فولوا إجنانه(261). ولم يشهد أبو بكر وعمر غسل الرسول (ص) وتكفينه ودفنه.

قالت عائشة : ما علمنا بدفن الرسول حتّى سمعنا صوت المساحي في جوف الليل.

وتخلّف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والانصار وبنو هاشم ومالوا مع عليّ ابن أبي طالب.

فذهبوا إلى العباس ليستميلوه فجابههم بالردّ.

وتحصّن في دار فاطمة جماعة من بني هاشم وجمع من المهاجرين والانصار، فبعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة وقال له : إن أبوا فقاتلهم.

فأقبل بقبس نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيتهم فاطمة فقالت : يا ابن الخطاب أجئت لتحرق دارنا ؟ قال : نعم، أو تدخلوا في ما دخلت فيه الاُمّة.

وإليه أشار أبو بكر في مرض موته حين قال :

(أمّا إنّي لا آسي على شي‌ء في الدنيا إلاّ على ثلاث فعلتهنّ وددت أنّي لم أفعلهن... فوددت أنّي لم أكشف عن بيت فاطمة ولو اُغلق على حرب...).

ثمّ إنّ عليّا حمل فاطمة ليلا إلى بيوت الانصار يسألهم النصرة وتسألهم فاطمة الانتصار له، فكانوا يقولون : يا بنت رسول اللّه مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو كان ابن عمّك سبق إلينا أبا بكر ما عدلنا به، فيقول عليّ : أفكنت أترك رسول اللّه (ص) لم اُجهّزه وأخرج إلى الناس اُنازعهم في سلطانه ؟ وتقول فاطمة : ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ينبغي له، ولقد صنعوا ما اللّه حسبهم.

وكان معاوية يعيّر أمير المؤمنين عليّا بهذا الموقف ويقول :

(وأعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلا على حمار ويداك في يدي ابنيك الحسن والحسين يوم بويع أبو بكر الصدّيق، فلم تدع أحدا من أهل بدر والسوابق إلاّدعوتهم إلى نفسك ومشيت إليهم بامرأتك وأدللت إليهم بابنيك واستنصرتهم على صاحب رسول اللّه... فلم يجبك منهم إلاّ أربعة أو خمسة... ومهما نسيت فلا أنسى قولك لابي سفيان لمّا حرّكك وهيّجك : لو وجدت أربعين ذوي عزم لناهضتهم).

وروى البخاري ما دار بين ابنة رسول اللّه (ص) وأبي بكر وقال :

فهجرته فاطمة فلم تكلّمه حتّى توفّيت بعد ستّة أشهر، ودفنها زوجها ولم يؤذن بها أبا بكر، وكان لعليّ من الناس وجه حياة فاطمة فلمّا توفّيت انصرفت وجوه الناس عن عليّ فلم يبايع عليّ ستّة أشهر ولا أحد من بني هاشم حتّى بايعه عليّ، فلمّا رأى عليّ انصراف وجوه الناس عنه ضرع إلى مصالحة أبي بكر.

وقال البلاذري : ولم يخرج أحد إلى قتال العدوّ قبل أن يبايع عليّ.

وممّن تخلّف عن بيعة أبي بكر : فروة بن عمرو، وخالد وأبان وعمر بنو سعيد الاُموي، فلمّا بايع بنو هاشم بايعوا.

وسعد بن عبادة لم يبايع، وأشار الانصار أن يتركوه فإنّه لا يبايع حتّى يقتل وليس بمقتول حتّى يقتل معه ولده وأهل بيته وطائفة من عشيرته، فتركوه، فقال له عمر في أوّل خلافته: من كره جوار جار تحوّل عنه. فذهب إلى الشام، فبعث عمر رجلا فقال له : اُدعه إلى البيعة واحتل له، فإن أبى فاستعن اللّه عليه، فذهب الرجل إلى الشام ووجد سعدا بحوارين من قرى حلب فدعاه إلى البيعة فأبى فرماه بسهم فقتله.

 


 260  تندر عضوك : تسقط أعضاؤك.

 261  تولّوا دفنه.