حامل علوم الرسول (ص) :
في
تفسير الرازي وكنز العمّال قال علي :
(علّمني رسول اللّه (ص) ألف باب من العلم وتشعّب لي من كلّ باب ألف باب)(156).
وفي تفسير الطبري وطبقات ابن سعد وتهذيب التهذيب وكنز العمال
وفتح الباري واللفظ للاخير :
عن
أبي الطفيل قال : شهدت عليّا وهو يخطب ويقول :
(سلوني فواللّه لا تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة إلاّ حدّثتكم به، وسلوني
عن كتاب اللّه، فواللّه ما من آية إلاّ وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار أم في سهل أم
في جبل...)(157).
ومن هنا قال في حقّه رسول اللّه (ص) كما رواه جابر بن عبد اللّه:
((أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمن أراد المدينة فليأت الباب)). قال الحاكم : هذا
حديث صحيح الاسناد(158).
وفي رواية :
((فمن أراد العلم فليأت الباب))(159).
وفي رواية :
سمعت رسول اللّه (ص) يوم الحديبية وهو آخذ بيد عليّ يقول :
((هذا أمير البررة وقاتل الفجرة، منصور من نصره، مخذول من خذله، ـ يمدّ بها صوته ـ
أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمن أراد البيت فليأت الباب))(160).
ولفظه في رواية ابن عباس :
((أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها))(161).
وفي رواية الامام عليّ، قال رسول اللّه (ص) :
((أنا دار العلم وعليّ بابها))(162).
وقال في حقّه ـ أيضا ـ كما رواه ابن عباس :
((أنا مدينة الحكمة وعليّ بابها، فمن أراد الحكمة فليأت الباب))(163).
وفي رواية الامام عليّ، قال رسول اللّه (ص) :
((أنا دار الحكمة وعليّ بابها))(164).
وقال في حقّه كما في رواية أبي ذرّ :
((عليّ باب علمي ومبيّن لاُمتي ما اُرسلت به بعدي...))(165).
وقال كما في رواية أنس بن مالك :
أنّ النبيّ (ص) قال لعليّ (ع) :
((أنت تبيّن لاُمّتي ما اختلفوا فيه بعدي)). قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط
الشيخين(166).
وفي رواية قال له :
((أنت تؤدّي عنّي وتسمعهم صوتي وتبيّن لهم ما اختلفوا فيه بعدي))(167).
وقد يسّر اللّه لخاتم أنبيائه أن يزقّ ابن عمّه العلم في ما هيّأ لهما من الاجتماع
في بيت واحد منذ أن كان الامام عليّ طفلا كما رواه الحاكم :
(كان من نعم اللّه على عليّ بن أبي طالب (ع) ما صنع اللّه وأراده به من الخير، أنّ
قريشا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب في عيال كثير فقال رسول اللّه (ص) لعمّه
العباس وكان من أيسر بني هاشم :
يا
أبا الفضل إنّ أخاك أبا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الازمة،
فانطلق بنا إليه نخفّف عنه من عياله آخذ أنا من بنيه رجلا وتأخذ أنت رجلا فنكفلهما
عنه، فقال العباس : نعم، فانطلقا حتّى أتيا أبا طالب، فقالا : إنّا نريد أن نخفّف
عنك من عيالك حتّى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما أبو طالب : إذا تركتما لي
عقيلا فاصنعا ما شئتما، فأخذ رسول اللّه (ص) عليّا فضمّه إليه، وأخذ العباس جعفرا
فضمّه إليه، فلم يزل عليّ (ع) مع رسول اللّه (ص) حتّى بعثه اللّه نبيّا فاتّبعه
وصدّقه، وأخذ العباس جعفرا وضمّه إليه ولم يزل جعفر مع العباس حتّى أسلم واستغنى
عنه)(168).
وروي عن زيد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جدّه (ع) قال :
(أشرف رسول اللّه (ص) من بيت ومعه عمّاه العباس وحمزة، وعليّ وجعفر وعقيل في أرض
يعملون فيها، فقال رسول اللّه (ص) لعمّيه : اختارا من هؤلاء. فقال أحدهما : اخترت
جعفرا، وقال الاخر : اخترت عقيلا. فقال :
خيّرتكما فاخترتما، فاختار اللّه لي عليّا)(169).
وقد أخبر الامام بنفسه عن ذلك وقال :
(وقد علمتم موضعي من رسول اللّه (ص) بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في
حجره وأنا ولد، يضمّني إلى صدره، ويكنفني في فراشه ويمسّني جسده، ويشمّني عرفه،
وكان يمضغ الشيء ثمّ يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل، ولقد قرن
اللّه به (ص) من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم،
ومحاسن أخلاق العالم، ليله ونهاره، ولقد كنت أتّبعه اتّباع الفصيل إثر اُمّه،، يرفع
لي في كلّ يوم من أخلاقه علما، ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كلّ سنة
بحراء، فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول اللّه
(ص) وخديجة، وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة وأشمّ ريح النبوّة.
ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه 6، فقلت : يا رسول اللّه، ما هذه الرنّة
؟(170) فقال :
((هذا الشيطان أيس من عبادته، إنّك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى، إلاّ إنّك لست
بنبيّ، ولكنّك لوزير، وإنّك لعلى خير)).
ولقد كنت معه (ص) لمّا أتاه الملا من قريش، فقالوا له : يا محمد، إنّك قد ادّعيت
عظيما لم يدّعه آباؤك ولا أحد من بيتك، ونحن نسألك أمرا إن أنت أجبتنا إليه
وأريتناه علمنا أنّك نبيّ ورسول، وإن لم تفعل علمنا أنّك ساحر كذّاب.
فقال (ص) : وما تسألون ؟ قالوا : تدعو لنا هذه الشجرة حتّى تنقلع بعروقها وتقف بين
يديك. فقال (ص) : إنّ اللّه على كلّ شيء قدير، فإن فعل اللّه لكم ذلك أتؤمنون
وتشهدون بالحقّ ؟ قالوا : نعم، قال : فإنّي ساُريكم ما تطلبون، وإنّي لاعلم أنّكم
لا تفيئون إلى خير(171)، وإنّ فيكم من يطرح في القليب
(172)، ومن يحزب الاحزاب. ثمّ
قال (ص) : يا أيّتها الشجرة إن كنت تؤمنين باللّه واليوم الاخر وتعلمين أنّي رسول
اللّه فانقلعي بعروقك حتّى تقفي بين يديّ بإذن اللّه.
والذي بعثه بالحقّ لانقلعت بعروقها وجاءت ولها دويّ شديد، وقصف كقصف أجنحة
الطير(173)، حتّى وقفت بين يدي رسول اللّه (ص) مرفرفة، وألقت بغصنها الاعلى على
رسول اللّه (ص) فلمّا نظر القوم إلى ذلك قالوا علوّا واستكبارا :
فمرها فليأتك نصفها ويبقى نصفها، فأمرها بذلك، فأقبل إليه نصفها كأعجب إقبال وأشدّه
دويّا، فكادت تلتفّ برسول اللّه 6، فقالوا كفرا وعتوّا : فمر هذا النصف فليرجع إلى
نصفه كما كان، فأمره (ص) فرجع، فقلت أنا : لا إله إلاّ اللّه، إنّي أوّل مؤمن بك يا
رسول اللّه، وأوّل من أقرّ بأنّ الشجرة فعلت ما فعلت بأمر اللّه تعالى تصديقا
بنبوّتك وإجلالا لكلمتك، فقال القوم كلّهم : بل ساحر كذّاب عجيب السحر خفيف فيه،
وهل يصدّقك في أمرك إلاّ مثل هذا ؟ ـ يعنوني ـ)(174).
هكذا كان رسول اللّه (ص) يرفع للامام في صغره كلّ يوم من أخلاقه علما ويأمره
بالاقتداء به، ويزقّه العلم زقّا في كبره، ويخصّه بمناجاته.
وقد جاء في صحيح الترمذي وغيره واللفظ للترمذي عن جابر قال:
(دعا رسول اللّه (ص) عليّا (ع) يوم الطائف فانتجاه، فقال الناس : لقد طال نجواه مع
ابن عمّه ! فقال رسول اللّه (ص) :
((ما انتجيته ولكنّ اللّه انتجاه)))(175).
وفي رواية :
(لمّا كان يوم الطائف دعا رسول اللّه (ص) عليّا فناجاه طويلا فقال بعض أصحابه...)
الحديث(176).
وفي رواية جندب بن ناجية أو ناجية بن جندب :
(لمّا كان يوم غزوة الطائف قام النبيّ (ص) مع عليّ (ع) مليّا ثمّ مرّ، فقال له أبو
بكر : يا رسول اللّه لقد طالت مناجاتك عليّا منذ اليوم ! فقال :
((ما أنا انتجيته ولكنّ اللّه انتجاه)))(177).
وكان الامام عليّ حريصا على أن يتلقّى من رسول اللّه (ص). ولمّا نزلت : ( يا أيُّها
الذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ
صَدَقَة ) المجادلة / 12(178).
قال الطبري :
(نهوا عن مناجاة النبيّ (ص) حتّى يتصدّقوا، فلم يناجه أحد إلاّ عليّ ابن أبي
طالب)(179).
وفي أسباب النزول للواحدي وغيره عن الامام عليّ :
(كان لي دينار فبعته وكنت إذا ناجيت الرسول (ص) تصدّقت بدرهم حتّى نفد)(180).
وفي رواية :
(كان عندي دينار فصرفته بعشرة دراهم فكنت إذا جئت إلى النبيّ
(ص)...)(181).
وروى الزمخشري في تفسير الاية :
(أنّه تصدّق في عشر كلمات سألهنّ رسول اللّه (ص)).
وفي رواية عن الامام :
إنّ في كتاب اللّه لاية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي:
آية النجوى : ( يا أيُّها الذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمْ... ) الاية، كان عندي
دينار ـ إلى قوله ـ : ثمّ نسخت فلم يعمل بها أحد، فنزلت : ( أأشْفَقْتُمْ أنْ
تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقات ) المجادلة / 13(182).
هكذا كان مع رسول اللّه (ص) ولم يفارقه حتّى آخر لحظة من حياته.
قالت عائشة :
(قال رسول اللّه (ص) لمّا حضرته الوفاة :
((اُدعوا لي حبيبي))، فدعوا له أبا بكر، فنظر إليه، ثمّ وضع رأسه.
ثمّ قال : ((اُدعوا لي حبيبي))، فدعوا له عمر، فلمّا نظر إليه، وضع رأسه.
ثمّ قال : ((اُدعوا لي حبيبي))، فدعوا له عليّا (ع)، فلمّا رآه أدخله في الثوب الذي
كان عليه فلم يزل يحتضنه حتّى قبض ويده عليه)(183).
وعن ابن عباس :
(إنّ النبيّ ثقل وعنده عائشة وحفصة إذ دخل عليّ (ع) فلمّا رآه النبيّ (ص) رفع رأسه
ثمّ قال : ((اُدنُ منّي، اُدنُ منّي))، فأسنده فلم يزل عنده حتّى توفّي)(184).
وعن اُمّ سلمة قالت :
(والذي أحلف به إن كان عليّ (ع) لاقرب الناس عهدا برسول اللّه (ص). عدنا رسول اللّه
(ص) غداة وهو يقول : جاء عليّ ؟ جاء عليّ ؟ مرارا، فقالت فاطمة : كأنّك بعثته في
حاجة، قالت : فجاء بعد، قالت اُمّ سلمة : فظننت أنّ له إليه حاجة فخرجنا من البيت
فقعدنا عند الباب وكنت من أدناهم إلى الباب، فأكبّ عليه رسول اللّه (ص) وجعل يسارّه
ويناجيه، ثمّ قبض رسول اللّه من يومه ذلك، فكان علي أقرب الناس عهدا).
قال الحاكم : هذا حديث صحيح الاسناد(185).
*
*
*
عن
ابن عباس، قال : قال رسول اللّه (ص) :
((من سرّه أن يحيا حياتي ويموت مماتي ويسكن جنّة عدن غرسها ربّي، فليوالِ عليّا من
بعدي، وليوالِ وليّه، وليقتدِ بالائمة من بعدي فإنّهم عترتي خلقوا من طينتي، رزقوا
فهما وعلما، وويل للمكذّبين بفضلهم من اُمّتي، القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم اللّه
شفاعتي))(186).
إلى هنا ذكرنا ما جاء في حقّ الوصيّ الاول بعد الرسول (ص)، وفي ما يأتي نذكر ما جاء
في شأن أوصياء الرسول بعد الوصيّ الاوّل.
156 بتفسير الاية ( إنَّ اللّهَ اصْطَفى آدَمَ... ) وكنز
العمّال 6 / 392 و 305.
157 تفسير ابن جرير 26 / 116. وطبقات ابن سعد 2 / ق 2 / 101.
وتهذيب التهذيب 7 / 337. وفتح الباري 10 / 221. وحلية الاولياء 1 / 67 ـ 68. وكنز
العمال 1 / 228.
158 مستدرك الصحيحين 3 / 126، وفي ص 127 منه بطريق آخر. وفي
تأريخ بغداد 4 / 348 و 7 / 172 و 11 / 48، وفي ص 49 منه عن يحيى بن معين أنّه صحيح.
وفي اُسد الغابة 4 / 22. ومجمع الزوائد 9 / 114. وتهذيب التهذيب 6 / 320 و 7 / 427.
وفي متن فيض القدير 3 / 46. وكنز العمال، ط. الثانية 12 / 201، ح 1130. والصواعق
المحرقة ص 73.
159 مستدرك الصحيحين 3 / 127 ـ 129.
160 تأريخ بغداد للخطيب 2 / 377.
161 كنز العمال، ط. الثانية 12 / 212، و ح 1219. وراجع كنوز
الحقائق للمناوي.
162 الرياض النضرة 2 / 193.
163 تأريخ بغداد للخطيب 11 / 204. وسنن الترمذي، كتاب
المناقب، باب مناقب عليّ ابن أبي طالب.
164 سنن الترمذي 13 / 171، باب مناقب علي بن أبي طالب، قال :
وفي الباب عن ابن عباس. وحلية الاولياء لابي نعيم 1 / 64. وكنز العمال، ط. الاُولى
6 / 156.
165 كنز العمال، ط. الاُولى 6 / 156.
166 مستدرك الصحيحين 3 / 122. وكنز العمال، ط. الاُولى 6 /
156. وراجع المناوي في كنوز الحقائق ص 188.
167 حلية الاولياء 1 / 63.
168 مستدرك الصحيحين 3 / 576.
169 مستدرك الصحيحين 3 / 576 ـ 577.
170 الرنّة : الصيحة الحزينة.
171 لا تفيئون : لا ترجعون.
172 القليب ـ كأمير ـ البئر، والمراد منه قليب بدر طرح فيه
نيف وعشرون من أكابر قريش، والاحزاب : طوائف متفرّقة من القبائل اجتمعوا على حربه
(ص) في وقعة الخندق.
173 القصف : الصوت الشديد. و (ريح قاصف) أي : شديدة. و (رعد
قاصف) أي : شديد الصوت.
174 الخطبة 190 من نهج البلاغة 2 / 182 ـ 184.
175 سنن الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب علي بن أبي طالب 13
/ 173. وتأريخ بغداد للخطيب 7 / 402.
176 اُسد الغابة 4 / 27.
177 كنز العمال، ط. الثانية 12 / 200، ح 1122. والرياض النضرة
2 / 265.
178 تفسير السيوطي 6 / 185.
179 تفسير الطبري 28 / 14 ـ 15. والدرّ المنثور 6 / 185.
180 أسباب النزول للواحدي ص 308. والطبري في تفسير الاية.
181 تفسير الاية في الدرّ المنثور 6 / 185. والرياض النضرة 2
/ 265.
182 تفسير السيوطي 6 / 185. والرياض النضرة 2 / 265. والكشاف
4 / 76.
183 الرياض النضرة 2 / 237، ط. الثانية، مطبعة دار التأليف
بمصر. وذخائر العقبى ص 72.
184 مجمع الزوائد 9 / 36.
185 مسند أحمد 6 / 300. وخصائص النسائي ص 40. ومستدرك
الصحيحين 3 / 138 ـ 139.
186 حلية الاولياء لابي نعيم 1 / 86.