قصّة تبليغ آيات البراءة :
جاءت قصة تبليغ سورة البراءة في صحيح الترمذي وتفسير الطبري وخصائص النسائي ومستدرك
الصحيحين وغيرها، عن أنس وابن عباس وسعد ابن أبي وقاص وعبد اللّه بن عمر وأبي سعيد
الخدري وعمر بن ميمون وعليّ ابن أبي طالب(147)، وأبي بكر، ونختار هنا ذكر موجز
رواية الامام عليّ الواردة في
مسند أحمد، قال :
دعا النبيّ أبا بكر فبعثه ببراءة لاهل مكّة، لا يحجّ بعد العام مشرك ولا يطوف
بالبيت عريان ولا يدخل الجنّة إلاّ نفس مسلمة، ومن كان بينه وبين رسول اللّه (ص)
مدّة فأجله إلى مدّته، واللّه بريء من المشركين ورسوله.
قال : فسار بها ثلاثا ثمّ قال لعليّ : ((إلحقه فردّ عَلَيّ أبا بكر وبلّغها أنت)).
قال : ففعل. فلمّا قدم على النبيّ (ص) أبو بكر بكى وقال : يا رسول اللّه حدث فيّ
شيء ؟
قال : ((ما حدث فيك إلاّ خير، ولكنّي اُمرت أن لا يبلّغه إلاّ أنا أو رجل
منّي))(148).
وفي رواية عبد اللّه بن عمر :
((ولكن قيل لي : أنّه لا يبلّغ عنك إلاّ أنت أو رجل منك))(149).
وفي رواية أبي سعيد الخدري :
((لا يبلّغ عنّي غيري أو رجل منّي))(150).
تدلّنا القرائن الحالية والمقالية في المقام، أنّ القصد من التبليغ في هذه الروايات
وما شابهها تبليغ ما أوحى اللّه إلى رسوله من أحكام إلى المكلّفين بها في بادئ
الامر، وهذا ما لا يقوم به إلاّ الرسول أو رجل من الرسول.
ويقابل هذا التبليغ التبليغ الذي يقوم به المكلّفون بتلك الاحكام بعدما
بلّغوا بها بواسطة الرسول أو رجل من الرسول، فإنّ لهم عند ذاك أن يقوموا بتبليغها
إلى غيرهم، ويطَّرد جواز هذا التبليغ ورجحانه ويتسلسل مع كلّ مَن بلغه الحكم إلى
أبد الدهر.
وواضح أنّ الرسول (ص) عنى بقوله : ((لا يبلّغ عنّي غيري أو رجل منّي)) التبليغ من
النوع الاوّل.
ويفسّر أيضا لفظ ((منّي)) في أحاديث الرسول (ص) حديث المنزلة الاتي :
147 سنن الترمذي 13 / 164 ـ 165. ومسند أحمد 1 / 151 و 3 /
283، وراجع 1 / 150. وخصائص النسائي ص 28 ـ 29. وتفسير الطبري 10 / 46. ومستدرك
الصحيحين 3 / 51 و 52. ومجمع الزوائد 7 / 29 و 9 / 119.
148 مسند أحمد 1 / 3، ح 4 من مسند أبي بكر وقال أحمد شاكر :
(إسناده صحيح). وراجع كنز العمال، كتاب التفسير، تفسير سورة براءة 2 / 267 و 270 .
وذخائر العقبى ص 69.
149 في مستدرك الصحيحين 3 / 51.
150 في الدر المنثور بتفسير : ( براءة من
الله )