الولاية واُولو الامر في القرآن الكريم
أ
ـ ولاية عليّ في القرآن الكريم :
نصّت الاحاديث السابقة على ولاية الامام عليّ على المؤمنين بعد رسول
اللّه (ص)، وهذا بعينه ما عنته الاية الكريمة: ( إنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ
وَرَسُولُهُ وَالذِينَ آمَنُوا الذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ
وَهُمْ راكِعُونَ ) المائدة / 55.
ويؤيد ذلك الروايات الاتية :
في تفسير الطبري، وأسباب النزول للواحدي وشواهد التنزيل للحاكم
الحسكاني وأنساب الاشراف للبلاذري وغيرها(137):
عن ابن عباس وأبي ذرّ وأنس بن مالك والامام عليّ وغيرهم ما خلاصته :
(إنّ فقيرا من فقراء المسلمين دخل مسجد الرسول (ص) وسأل، وكان عليّ
راكعا في صلاة غير فريضة(138)، فأوجع قلب عليّ كلام السائل،
فأومأ بيده اليمنى إلى خلف ظهره، وكان في اصبعه خاتم عقيق يماني أحمر يلبسه في
الصلاة، وأشار إلى السائل بنزعه، فنزعه ودعا له ومضى فما خرج أحد من المسجد حتّى
نزل جبرئيل (ع) بقول اللّه عزّ وجلّ : ( إنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ... ) الاية(139)،
فأنشأ حسّان بن ثابت يقول أبياتا منها قوله :
أبا حسن تفديك نفسي
ومهجتي
وكلّ بطيء في الهدى ومسارع
فأنت الذي أعطيت إذ أنت راكع
فدتك نفوس القوم يا خير راكع
فأنزل فيك اللّه خير
ولاية
فأثبتها في محكمات الشرائع(140)
إيراد
على دلالة الاية :
أورد بعضهم على مفاد الروايات السابقة أنّ لفظ الاية : ( الذِينَ
آمَنُوا الذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُون )
جمع، فكيف يعبّر بلفظ الجمع ويراد به الواحد وهو الامام عليّ (ع) ؟
قال المؤلف : توهّم من قال بذلك، فإنّ الذي لا يجوز إنّما هو
استعمال اللفظ المفرد وإرادة الجمع منه، أمّا العكس فجائز وشائع في المحاورات، وقد
جاء نظائره في موارد متعدّدة في القرآن الكريم، مثل التعابير التي جاءت في سورة
المنافقون :
( بِسْمِ اللّهِ
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، إذا جاءكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ
لَرَسُولُ اللّهِ وَاللّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللّهُ
يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُون) إلى قوله تعالى : ( وَإذا قِيلَ لَهُمْ
تَعالَوا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأيْتَهُمْ
يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُون ) إلى قوله : ( هُمُ الذِينَ يَقُولُونَ لا
تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلّهِ خَزائِنُ
السَّماواتِ وَالارْضِ وَلكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ يَقُولُونَ لَئِنْ
رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الاعَزُّ مِنها الاذَلَّ وَلِلّهِ
العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُون )
المنافقون / 1 ـ 8.
قال الطبري في تفسير السورة :
إنّما عني بهذه الايات كلّها عبد اللّه بن أبي سلول... وأنزل اللّه
فيه هذه السورة من أوّلها إلى آخرها، وبالنحو الذي قلنا، قال أهل التأويل وجاءت
الاخبار(141).
وروى السيوطي بتفسير الايات عن ابن عباس أنّه قال :
وكلّ شيء أنزله في المنافقين ـ في هذه السورة ـ فإنّما أراد عبد
اللّه بن اُبيّ(142).
وموجز القصة كما نقلها أهل السير وجاء في التفاسير :
(أنّ أجير عمر بن الخطاب، جهجاه الغفاري، ازدحم بعد غزوة بني
المصطلق مع سنان الجهني حليف بني الخزرج على الماء فاقتتلا فصرخ الجهني : يا معشر
الانصار ! وصرخ جهجاه : يا معشر المهاجرين ! فغضب عبد اللّه بن اُبيّ ومعه رهط من
قومه وفيهم زيد بن أرقم، غلام حديث السنّ فقال : أقد فعلوها ؟ قد نافرونا وكاثرونا
في بلادنا، واللّه ما أعدّنا وجلابيب قريش هذه إلاّ كما قال
القائل : سمّن كلبك يأكلك ! أما واللّه لئن رجعنا إلى المدينة
ليخرجنّ الاعزّ منها الاذلّ، ثمّ أقبل على من حضره من قومه، فقال : هذا ما فعلتم
بأنفسكم أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما واللّه لو أمسكتم عنهم ما
بأيديكم لتحوّلوا إلى غير بلادكم، فسمع ذلك زيد بن أرقم ومشى به إلى رسول اللّه
وأخبره وعنده عمر بن الخطاب(143).
فقال عمر بن الخطاب : دعني أضرب عنقه يا رسول اللّه. فقال : إذا
ترعد له آنف كثيرة بيثرب. قال عمر : فإن كرهت يا رسول اللّه أن يقتله رجل من
المهاجرين، فمر به سعد بن معاذ ومحمد بن مسلمة فيقتلانه. فقال : إنّي أكره أن
يتحدّث الناس أنّ محمدا يقتل أصحابه.
فذهب عبد اللّه إلى رسول اللّه، وحلف أنّه لم يكن شيء من ذلك، فلام
الانصار زيدا على قوله. وقالوا لعبد اللّه : لو رأيت رسول اللّه يستغفر لك. فلوّى
رأسه وقال : أمرتموني أن أؤمن فآمنت، وأمرتموني أن اُعطي زكاة مالي فأعطيت، فما بقي
لي إلاّ أن أسجد لمحمد، فنزلت السورة فيه وهو المقصود بقوله تعالى : ( هُمُ الذِينَ
يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا )(144).
وهو المقصود من قوله تعالى : ( وَإذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا
يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ... )(145).
*
*
*
في هذه السورة عبّر اللّه عن عبد اللّه بن اُبيّ القائل الواحد،
بقوله تعالى :
( هُمُ الذِينَ يَقُولُونَ ) وبقوله عزّ اسمه : ( وَإذا قِيلَ
لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ ).
القائل والفاعل واحد كما أجمع على ذلك المفسّرون، وأطبقت الروايات على ذلك، وإنّما
ذكرنا هذا على سبيل المثال وإلاّ فنظائرها متعدّدة في القرآن الكريم مثل قوله تعالى
:
( وَمِنْهُمُ الذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ
اُذُنٌ ) التوبة / 61.
( الذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا
لَكُمْ... ) آل عمران / 173.
( يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الامْرِ مِنْ شَيْء... ) آل عمران /
154.
هذه إلى غيرها ممّا عُبّر فيها بلفظ الجمع واُريد بها الواحد، تعدّد
نظائرها في القرآن الكريم.
137 تفسير الطبري 6 / 186. وأسباب النزول للواحدي ص 133 ـ
134. وفي شواهد التنزيل 1 / 161 ـ 164 خمس روايات عن ابن عباس، وفي ص 165 ـ 166
روايتان عن أنس بن مالك، وستّ روايات اُخرى في ص 167 ـ 169. وأنساب الاشراف
للبلاذري، ح 151 من ترجمة الامام 1 / الورقة 225. وغرائب القرآن للنيسابوري بهامش
الطبري 6 / 167 ـ 168. وأخرج السيوطي كثيرا من رواياتها في تفسيره 2 / 293 ـ 294،
وقال في لباب النقول في أسباب النزول ص 90 ـ 91 بعد إيراد الروايات : (فهذه شواهد
يقوّي بعضها بعضا).
138 يستفاد ذلك من رواية أنس حيث قال : خرج النبيّ إلى صلاة
الظهر فإذا هو بعلي يركع. ونظيرها رواية ابن عباس، وكلتاهما في شواهد التنزيل 1 /
163 ـ 164.
139 إلى هنا أوردنا ملخّصه من شواهد التنزيل.
140 نقلا عن كفاية الطالب، الباب 61، ص 228، وبقية مصادر
الحديث في تأريخ ابن كثير 7 / 357.
141 تفسير الطبري 28 / 270.
142 تفسير السيوطي 6 / 223.
143 تفسير الطبري 28 / 75.
144 تفسير الطبري 28 / 74.
145 لخّصنا روايات متعدّدة جاءت في تفسير الطبري 28 / 71 فما
بعدها، وتفسير السيوطي 6 / 222 فما بعدها إلى غير ذلك ممّا جاء في التفاسير والسير.