خبر يوم الغدير :
لمّا صدر رسول اللّه من حجّة الوداع
(88) نزلت عليه في اليوم الثامن عشر من ذي
الحجّة(89) آية ( يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما اُنْزِلَ إلَيْكَ... )(90). فنزل
غدير خمّ من الجحفة(91) وكان يتشعّب منها طريق المدينة ومصر والشام(92) ووقف هناك
حتّى لحقه من بعده وردّ من كان تقدّم(93) ونهى أصحابه عن سمرات متفرّقات بالبطحاء
أن ينزلوا تحتهنّ، ثمّ بعث إليهنّ فقُمّ ما تحتهنّ من الشوك(94) ونادى بالصلاة
جامعة(95) وعمد إليهنّ(96) وظلّل لرسول اللّه (ص) بثوب على شجرة سمرة من الشمس(97)،
فصلّى الظهر بهجير(98) ثمّ قام خطيبا فحمد اللّه وأثنى عليه وذكر ووعظ وقال ما شاء
اللّه أن يقول، ثمّ قال :
((إنّي اُوشك أن اُدعى فاُجيب، وإنّي مسؤول وأنتم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون ؟))
قالوا :
نشهد أنّك بلّغت ونصحت فجزاك اللّه خيرا؛ قال :
((أليس تشهدون أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمدا عبده ورسوله وأنّ الجنّة حقّ وأنّ
النار حقّ ؟)) قالوا :
بلى نشهد ذلك.
قال : ((اللّهم اشهد)).
ثمّ قال : ((ألا تسمعون ؟)).
قالوا : نعم.
قال : ((يا أيّها الناس إنّي فرط وأنتم واردون عليّ الحوض وإنّ عرضه ما بين بصرى
إلى صنعاء(99) فيه عدد النجوم قدحان من فضّة، وإنّي سائلكم عن الثقلين، فانظروا كيف
تخلفونني فيهما)). فنادى منادٍ : وما الثقلان يا رسول اللّه ؟
قال : ((كتاب اللّه، طرف بيد اللّه وطرف بأيديكم، فاستمسكوا به، لا تضلّوا ولا
تبدّلوا، وعترتي أهل بيتي، وقد نبّأني اللطيف الخبير أنّهما لن يتفرّقا حتّى يردا
عليّ الحوض، سألت ذلك لهما ربّي، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا،
ولا تعلّموهما فهما أعلم منكم))(100).
ثمّ قال : ((ألستم تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟)).
قالوا : بلى يا رسول اللّه !(101).
قال : ((ألستم تعلمون ـ أو تشهدون ـ أنّي أولى بكلّ مؤمن من نفسه؟)).
قالوا : بلى يا رسول اللّه(102).
ثمّ أخذ بيد عليّ بن أبي طالب بضبعيه فرفعها حتّى نظر الناس إلى بياض إبطيهما(103)،
ثمّ قال :
((أيّها الناس ! اللّه مولاي وأنا مولاكم(104)؛ فمن كنت مولاه، فهذا عليّ
مولاه(105).
اللّهمّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه(106)، وانصر من نصره، واخذل من خدله(107)،
وأحبّ من أحبّه، وابغض من أبغضه))(108).
ثمّ قال : ((اللّهم اشهد))(109).
ثمّ لم يتفرّقا ـ رسول اللّه وعليّ ـ حتّى نزلت هذه الاية :
(
اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ
لَكُمُ الاسْلامَ دِينا) المائدة / 3.
فقال رسول اللّه (ص) :
اللّه أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة، ورضا الربّ برسالتي والولاية
لعليّ(110).
وفي باب ما نزل من القرآن بالمدينة من تأريخ اليعقوبي :
(إنّ آخر ما نزل عليه : ( اليَوْمَ أكْمَلْتُ... ) وهي الرواية الصحيحة الثابتة،
وكان نزولها يوم النصّ على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ـ صلوات اللّه عليه ـ
بغدير خمّ)(111).
فلقيه عمر بن الخطاب بعد ذلك فقال له :
هنيئا لك يا ابن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة(112).
وفي رواية قال له :
بخٍ بخٍ لك يا ابن أبي طالب(113).
وفي رواية اُخرى :
هنيئا لك يا ابن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة(114).
تتويج الامام :
وكانت لرسول اللّه عمامة ، تسمّى السحاب كساها عليّا(115) وكانت سوداء اللون(116)
وكان الرسول يلبسها في أيام خاصّة(117) مثل يوم فتح مكّة
(118)، ورووا في كيفية
تتويج الامام بها يوم الغدير كما يلي :
عن
عبد الاعلى بن عدي البهراني قال :
دعا رسول اللّه (ص) عليّا يوم غدير خمّ فعمّمه وأرخى عذبة العمامة من خلفه(119).
وعن عليّ (ع) قال :
عمّمني رسول اللّه (ص) يوم غدير خمّ بعمامة سوداء طرفها على
منكبي(120).
وفي مسند الطيالسي وسنن البيهقي قال :
عمّمني رسول اللّه (ص) يوم غدير خمّ بعمامة سدلها خلفي، ثمّ قال : إنّ اللّه عزّ
وجلّ أمدّني يوم بدر وحنين بملائكة يعتمّون هذه العمّة... وقال : إنّ العمامة حاجزة
بين المسلمين والمشركين...(121).
وعن عليّ (ع) : أنّ النبيّ (ص) عمّمه بيده، فذنّب العمامة من ورائه ومن بين يديه،
ثمّ قال له النبيّ (ص) : ((أدبر))، فأدبر. ثمّ قال له : ((أقبل))، فأقبل. وأقبل على
أصحابه فقال النبيّ (ص) : ((هكذا تكون تيجان الملائكة))(122).
وعن ابن عباس قال :
لمّا عمّم رسول اللّه (ص) عليّا بالسحاب قال له : ((يا عليّ العمائم تيجان
العرب...))(123).
وعن عبد اللّه بن بشر قال :
بعث رسول اللّه (ص) يوم غدير خمّ إلى عليّ فعمّمه وأسدل العمامة بين كتفيه، وقال :
((وهكذا أمدّني ربّي يوم حنين بالملائكة معمّمين وقد أسدلوا العمائم، وذلك حجز بين
المسلمين والمشركين))(124).
المناشدة :
جمع عليّ الناس في رحبة مسجد الكوفة(125)، ثمّ قال لهم :
أنشد اللّه كلّ امرئ مسلم سمع رسول اللّه يقول يوم غدير خمّ ما سمع إلاّ قام(126)
ولا يقوم إلاّ من قد رآه(127)، فقام ثلاثون من الناس. ـ وفي رواية ـ فقام ناس
كثير(128). وقال عبد الرحمن : فقام اثنا عشر بدريا، كأنّي أنظر إلى أحدهم(129)
فشهدوا حين أخذ بيده، فقال للناس : ((أتعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم))،
قالوا : نعم يا رسول اللّه(130). قال : ((من كنت مولاه، فهذا مولاه اللّهم والِ من
والاه وعادِ من عاداه(131)، وانصر من نصره واخذل من خذله))(132).
قال عبد الرحمن : فقام إلاّ ثلاثة لم يقوموا، فدعا عليهم فأصابتهم دعوته(133).
قال أبو الطفيل : فخرجت وكأنّ في نفسي شيئا، فلقيت زيد بن أرقم فقلت له :
إنّي سمعت عليّا (رض) يقول كذا وكذا. قال : فما تنكره قد سمعت رسول اللّه يقول ذلك
له(134).
وفي رواية : فقام ثلاثون من الناس(135).
وفي رواية : جاء رهط من الانصار إلى علي في الرحبة فقالوا : السلام عليك يا مولانا.
قال : كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب. قالوا : سمعنا رسول اللّه (ص) يوم خمّ يقول :
((من كنت مولاه فإنّ هذا مولاه)). قال الراوي : فلمّا مضوا تبعتهم فسألت : من هؤلاء
؟ قالوا : نفر من الانصار منهم أبو أيّوب.
وفي رواية : فقال : مَن القوم ؟ قالوا : مواليك يا أمير المؤمنين(136).
88 مجمع الزوائد 9 / 105 و 163 ـ 165. وأنقل عن هذه الصفحات
في ما يأتي من هذا البحث.
89 رواه الحاكم الحسكاني في 1 / 192 ـ 193.
90 سبق ذكر مصادره.
91 مجمع الزوائد 9 / 163 ـ 165. وابن كثير 5 / 209 ـ 213.
92 مادة (الجحفة) من معجم البلدان.
93 في تأريخ ابن كثير 5 / 213.
94 مجمع الزوائد 9 / 105 ، والسمر : نوع من الشجر ، وقُمّ :
كُنِس . وقريب منه لفظ ابن كثير 5 / 209 .
95 مسند أحمد 4 / 281. وسنن ابن ماجة، باب فضل علي. وتأريخ
ابن كثير 5 / 209 و 5 / 210.
96 مجمع الزوائد 9 / 163 ـ 165.
97 مسند أحمد 4 / 372. وابن كثير 5 / 212.
98 مسند أحمد 4 / 281. سنن ابن ماجة، باب فضل علي. وابن كثير
5 / 212.
99 كانت بصرى إسما لقرية بالقرب من دمشق، واُخرى بالقرب من
بغداد.
100 مجمع الزوائد 9 / 162 ـ 163 و 165. وبعض ألفاظه في روايات
الحاكم 3 / 109 ـ 110. وابن كثير 5 / 209.
101 مسند أحمد 1 / 118 و 119 و 4 / 281. وسنن ابن ماجة 1 /
43، ح 116، وجاء (نعم) في مسند أحمد 4 / 281، 368، 370 و 372. وابن كثير 5 / 209،
ولدى ابن كثير 5 / 210 : (ألست أولى بكلّ امرئ من نفسه).
102 مسند أحمد 4 / 281، 368، 370 و 372. وابن كثير 5 / 209 و
212.
103 في رواية الحاكم الحسكاني 1 / 190 : فرفع يديه حتّى يرى
بياض إبطيه، وفي ص 193 منه : حتّى بان بياض إبطيهما. وضَبْعاه : الضَّبْع بسكون
الباء : وسط العضد بلحمه. لسان العرب، مادة : (ضبع).
104 الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل 1 / 191. وعند ابن كثير
5 / 209 : وأنا مولى كلّ مؤمن.
105 في جميع المصادر التي ذكرناها إلى هنا في جميع روايات
الباب.
106 مسند أحمد 1 / 118 و 119 و 4 / 281، 370، 372 و 373 و 5 /
347 و 370. ومستدرك الحاكم 3 / 109. وسنن ابن ماجة، باب فضل عليّ. والحاكم الحسكاني
1 / 190 و191. وتأريخ ابن كثير 5 / 209 و 210 ـ 213، وقال ابن كثير في 5 / 209 :
فقلت لزيد : هل سمعته من رسول اللّه ؟ فقال : ما كان في الدوحات أحد إلاّ رآه بعينه
وسمعه باُذنيه. ثمّ قال ابن كثير : قال شيخنا أبو عبد اللّه الذهبي : وهذا حديث
صحيح.
107 مسند أحمد 1 / 118 و 119. ومجمع الزوائد 9 / 104، 105 و
107. وشواهد التنزيل 1 / 193. وتأريخ ابن كثير 5 / 210 و 211.
108 شواهد التنزيل للحسكاني 1 / 191. وتأريخ ابن كثير 5 /
210.
109 شواهد التنزيل 1 / 190.
110 رواه الحاكم الحسكاني عن أبي سعيد الخدري 1 / 157 ـ 158،
ح 211 و 212، وعن أبي هريرة ص 158، ح 213. وفي تأريخ ابن كثير 5 / 214 بإيجاز.
111 اليعقوبي 2 / 43.
112 مسند أحمد 4 / 281. ولفظ (بعد ذلك) من تأريخ ابن كثير 5 /
210.
113 شواهد التنزيل 1 / 157 و 158.
114 مسند أحمد 4 / 281. وسنن ابن ماجة، باب فضائل عليّ.
والرياض النضرة 2 / 169، ولفظ (بعد ذلك) في تأريخ ابن كثير 5 / 210.
115 في زاد المعاد لابن القيم، (فصل في ملابسه) : أي الرسول
(ص)، بهامش شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 1 / 121.
116 جاء ذكر لون العمامة التي توّج بها الامام في رواية عبد
اللّه بن بشر الاتية والامام نفسه.
117 اُشير إلى ذلك في كتب الحديث.
118 صحيح مسلم، كتاب الحجّ، ح 451 ـ 452. وسنن أبي داود 4 /
54، باب في العمائم. وشرح المواهب 5 / 10، عن معرفة الصحابة لابي نعيم.
119 الرياض النضرة 2 / 289 في ذكر تعميمه إيّاه (ص) بيده.
واُسد الغابة 3 / 114.
120 في ترجمة عبد اللّه بن بشر من الاصابة 2 / 274، قال :
أخرجه البغوي.
121 كنز العمال 20 / 45. ومسند الطيالسي 1 / 23. والبيهقي 10
/ 14.
122 كنز العمال 20 / 45، عن مشيخة ابن باذان.
123 كنز العمال عن الديلمي.
124 هكذا رواه ابن طاووس في أمان الاخطار، غير أنّها في ترجمة
عبد اللّه بن بشر بالاصابة 2 / 274، رقم الترجمة 4566، ليس فيها لفظ (يوم غدير
خمّ).
125 تأريخ ابن كثير 5 / 211.
126 رواه أبو الطفيل، عامر أو عمرو بن واثلة الليثي، ولد عام
اُحد، ورأى النبيّ وعمّر إلى أن مات سنة عشر ومائة، وهو آخر من مات من الصحابة، روى
عنه جميع أصحاب الصحاح. التهذيب 1 / 389.
وروايته بمسند أحمد 4 / 370، وفي 1 / 118 منه بثلاثة أسانيد :
أ ـ عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم.
ب ـ عن سعيد بن وهب الهمداني الجنواني، وهو كوفي، ثقة، مخضرم،
مات سنة خمس أو
ست وسبعين، ترجمته في تهذيب التهذيب وقد رواها أحمد عنه مختصرا
في 5 / 366.
ج ـ عن زيد بن يثيع الهمداني الكوفي، ثقة، مخضرم، من الطبقة
الثانية من الرواة، ترجمته بتهذيب التهذيب 1 / 277.
127 في رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى الانصاري المدني،
الكوفي، ثقة من الثانية روى عنه جميع أصحاب الصحاح، ومات سنة نيف وثمانين، ترجمته
بتقريب التهذيب 1 / 496، والرواية في مسند أحمد 1 / 119، ح 964.
128 مسند أحمد 4 / 370، في حديث أبي الطفيل. وابن كثير 5 /
212.
129 حديث عبد الرحمن بمسند أحمد 1 / 961، وفي 5 / 370. وابن
كثير 5 / 211.
130 في مسند أحمد 1 / 118 و 4 / 370. وابن كثير 5 / 211.
ومجمع الزوائد 9 / 105.
131 في مسند أحمد 1 / 118 و 119 و 4 / 370 و 5 / 370. وابن
كثير 5 / 211.
132 مسند أحمد 1 / 118. وتأريخ ابن كثير 5 / 210.
133 مسند أحمد 1 / 119، ح 964.
134 مسند أحمد 4 / 370.
135 مسند أحمد 4 / 270. والرياض النضرة 2 / 162. وابن كثير 5
/ 212.
136 مسند أحمد 5 / 419. وابن كثير 5 / 212.