عود على بدء في بحث الوصيّة :
لمّا كانت النصوص الدالّة على حقّ الامام عليّ في الحكم بعد النبي (ص) وحقّ الائمة
من ولده فيها من أهمّ ما يوجّه النقد لمن ولي الحكم دونهم، لم يألُ العلماء بمدرسة
الخلفاء جهدا في كتمان تلكم النصوص، وكان من أهمّها بحث علماء أهل الكتاب بعد وفاة
رسول اللّه (ص) عن وصيّه وأقوالهم فيه، مثل خبر الراهبين اللذين مرّ عليهما الامام
علي في طريق صفّين. بينما حفظ نظير تلك الاخبار علماء مدرسة أهل البيت في
كتبهم(68)، مثل خبر مجيء يهوديين في عصر أبي بكر وسؤالهما عن وصيّ النبيّ وبعد أن
أشار الناس إلى أبي بكر، ولم يجدا أجوبة أسئلتهما عنده، أرسلوا إلى الامام عليّ،
فحضر وأجاب عن أسئلتهما، فقالا : أنت وصيّ خاتم الانبياء، وأسلما. وخبر آخرين من
أهل الكتاب جاؤوا على عهد عمر وجرى لهم مع عمر وعليّ مثل ما سبق ذكره على عهد أبي
بكر، وقد مرّ بنا في ما سبق سؤال كعب الاحبار من الخليفة عمر عن أشياء من أحوال
رسول اللّه (ص) وإحالة عمر إيّاه إلى عليّ بن أبي طالب، واستمرّت أمثال هذه
المراجعات من أهل الكتاب وإسلامهم إلى عصور متأخّرة، فقد قال ابن كثير في
تأريخه(69) بعد ما نقل من التوراة : أنّ اللّه بشّر إبراهيم بإسماعيل وأنّه ينمّيه
ويجعل من ذرّيته اثني عشر عظيما، ونقل عن ابن تيمية أنّه قال : (وهؤلاء المبشّر بهم
في حديث جابر بن سمرة، ولا تقوم الساعة حتّى يُوجدوا.
قال : وغلط كثير ممّن تشرّف بالاسلام من اليهود، فظنّوا أنّهم الذين تدعو إليهم
فرقة الرافضة فاتّبعوهم).
يا
ترى ما هي أخبار الكثير من اليهود الذين تشرّفوا بالاسلام واتّبعوا الرافضة.
إنّ العلماء ارتأوا ما قاله الطبري : (لا يحتمل سماعها العامّة) فأسقطوا أخبار أهل
الكتاب الذين أسلموا واتّبعوا الرافضة جملة وتفصيلا.
68 راجع أخبارهم في البحار، ط. طهران، الثانية10 / 10 ص 50.
69 6 / 250.