خلاصة  خبر  الفتن  في  اُخريات  عهد  عثمان :

أطلق الخليفة عثمان يد الولاة من بني اُميّة على المسلمين وفي بيوت أموالهم، وكلّما اشتكى المسلمون إلى الخليفة من ظلم ولاته لم يبالِ بهم، فثاروا عليه وأصبحت بنو تيم عندئذ تعارض عثمان وتطمح بالخلافة لطلحة وآل الزبير للزبير، وكان ما عداهم وما عدا بني اُميّة جلّ الانصار وسائر أصحاب رسول اللّه (ص) يدعون للامام علي. وأخيرا قتل الثائرون عثمان ولم ينصره الانصار وغيرهم، ثمّ تجمهر المهاجرون والانصار على الامام عليّ فبايعوه وخضع طلحة والزبير للرأي العام وبايعا عليّا في مقدمة من بايعه من صحابة رسول اللّه (ص).

ولمّا قسّم الامام عليّ بيوت الاموال بالسويّة ثارت ثائرة الطبقة المتميّزة وعلى رأسهم طلحة والزبير، فاجتمعوا مع اُمّ المؤمنين عائشة بمكّة، وجمعوا حولهم بني اُميّة، وأظهروا الطلب بدم عثمان، وساروا إلى البصرة وتغلّبوا عليها، وجهّزوا جيشا لقتال الامام علي، فخرج الامام من المدينة والتقى بهم خارج البصرة، وركبت اُمّ المؤمنين عائشة جملا، وقادت العسكر، وقاتلوا جيش الامام عليّ، فقتل في المعركة منهم من قتل واستسلم الباقون، فعفا عنهم الامام علي.

هذه خلاصة خبر الفتن في عصر عثمان وبيعة الامام علي وحرب الجمل بالبصرة، ذكرنا أخبارها ومصادر الاخبار في كتاب (أحاديث عائشة).

 نتيجة  البحث  المقارن  بين  روايات  سيف  المختلقة في  الفتن  والروايات  الصحيحة

 روى سيف أنّ يهوديا من صنعاء اليمن اسمه عبد اللّه بن سبأ ابن الامة السوداء تظاهر على عهد عثمان بالاسلام وسار في عواصم البلاد الاسلامية ومدنها : المدينة والشام والكوفة ومصر يدعو إلى القول برجعة الرسول بعد وفاته وأنّ عليا وصيّه وأنّ عثمان غاصب حقّ هذا الوصي، فيجب الوثوب عليه لارجاع الحقّ إلى أهله، فآمن به أبرار صحابة رسول اللّه (ص) نظراء أبي ذرّ وعمّار وحجر بن عدي إلى عشرات أمثالهم ممّن سمّـاهم بالسبائية وأنّ ابن سبأ اليهودي علّم هؤلاء أن يدعوا الناس إلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن يكتبوا في عيب ولاتهم ويثيروا الناس عليهم، ففعلوا. وأنّ عمّارا كان قد خرف كما أخبر عنه الرسول، وكذلك أبو ذرّ، فامتثل السبائيون الصحابة والتابعون تعليمات ابن سبأ، وجلبوا الناس إلى المدينة، وقتلوا عثمان في داره وبايعوا عليا، وسار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة للطلب بدم عثمان، وسار خلفهم الامام عليّ والتقوا خارج البصرة وتذاكروا في الصلح وقرّ رأيهم على الصلح، فتخوّف السبائيون(66) من سوء عاقبتهم واندسّوا في الجيشين ليلا وتراموا بالسهام من الجانبين وأثاروا الحرب بين الجيشين، فقامت الحرب بين الطرفين دون أن يتنبّه إلى مكيدتهم من الجيشين أحد، لم يتنبّهوا هم وقادتهم إلى من يرمي السهام مع أنّ رماة السهام كانوا مندسّين بين صفوفهم.

قال سيف : هكذا وقعت الحرب وانتهت بنصرة جيش الامام علي.

روى سيف هذه الاخبار في مئات من رواياته المختلقة ورواها عمّن اختلقهم من الرواة من ضمنهم من ذكر أسماءهم في الروايات السابقة، وقد أشرنا إلى الصحيح من أخبارها في ما مضى، ولم يخفَ على فطاحل العلم أمثال الطبري وابن الاثير وابن عساكر وابن كثير وابن خلدون وغيرهم أنّ سيف بن عمر متّهم بالزندقة وأنّ علماء الرجال أجمعوا على نعته بالكذب ولم يوثّقه أحد منهم، بل رأينا هؤلاء بأنفسهم يضعّفون حديثه كما نقلنا عنهم في كتابنا (عبد اللّه بن سبأ)، وكذلك لم تخف عليهم الروايات الصحيحة في تلك الاخبار وإنّما كرهوا ذكرها كما نصّوا على ذلك، فكتموا الاخبار الصحيحة لما قالوا إنّ العامة لا تحتمل سماعها، وليتهم اكتفوا بكتمان الاخبار الصحيحة في هذا الشأن كما فعلوا بكثير من

الاخبار الاُخرى ولم ينقلوا الاخبار المكذوبة بدلا من الاخبار الصحيحة ولم ينشروا الاخبار المختلقة بين الناس مع علمهم بكذبها، فإنّهم كانوا يعلمون بكذب ما نسبه سيف إلى عمّار وأبي ذرّ وابن مسعود وحجر بن عدي إلى عشرات غيرهم من الصحابة والتابعين في ما افتراه عليهم من أنّهم اتّبعوا يهوديا أمرهم بالافساد بين المسلمين وإيقاع الفتنة والفساد بينهم حتّى قتل بعضهم البعض الاخر

وهم لا يدركون ما يعملون ! على عقول من صدّق هذه الخرافات، العفا ! كيف يصدّقون أنّ الخليفة عثمان لم يتنبّه إلى هذا اليهودي على حدّ زعم سيف في إثارته الفتن ! وكيف لم يسأل عمّار وأبو ذرّ الامام عليّا عمّا يدعو له اليهودي من أنّه وصيّ رسول اللّه (ص) ؟ ! وكيف لم يسأله ربيبه محمد بن أبي بكر عن صدق مزعمة هذا اليهودي ؟ !

لست أدري كيف يصدّقون هذه الاكاذيب ؟ ! ولست أزعم أنّ العلماء صدّقوا بحديث سيف، كلاّ، فإنّهم يعلمون كذب ما اختلقه وافتراه وإنّما عجبي من عامّة الناس كيف يصدّقون هذه الاساطير الخرافية ؟ فإنّ العلماء الذين نشروا أكاذيب سيف كانوا يعلمون كذبه وإنّما تقبّلوها لانّ الزنديق طلاها بطلاء الدفاع عن ذوي السلطة في ما انتُقدوا عليه، مثل ما فعل في ما انتُقد عليه خالد على قتله مالك بن نويرة ونكاحه زوجته في ليلته، وفي ما رُمي به المغيرة بن شعبة زمان إمارته على البصرة، وفي خبر دءر سعد بن أبي وقاص حدّ شرب الخمر عن أبي محجن، وفي خبر الوليد وحدّه على شرب الخمر. إنّ سيف بن عمر عالج جميع ما انتُقد عليه هؤلاء وغيرهم من الخلفاء والولاة وذويهم، فلم يهتمّ كبار العلماء عندئذ أن ينشروا ما افتراه هذا الزنديق على أبرار الصحابة

الفقراء، أمثال ابن مسعود وأبي ذرّ وعمّار تحت غطاء الدفاع عن اُولئك، لانّ المهمّ عندهم كتمان ما يعاب عليه الخلفاء والولاة وذووهم عن عامة الناس. وبنشر أكاذيب سيف بلغوا غايتهم وبلغ سيف ـ أيضا ـ غايته من تسخيف صحابة النبيّ الابرار ونشر الاراجيف السخيفة في التأريخ الاسلامي بدافع الزندقة.

ويظهر من قول الطبري في ذكر سبب قتل عثمان : (فأعرضنا عن ذكر كثير منها لعلل دعت إلى الاعراض عنها)(67) أنّ العلل التي دعته إلى كتمان الاخبار الصحيحة، هي كتمان الاخبار التي تعاب بها سلطة الخلافة عن عامة الناس، كما

سبق لنا أن نقلنا منه أنّه قال : (ممّا لا يتحمّله عامّة الناس).

وخلاصة القول : إنّهم في هذا الصنف من الكتمان، يحرّفون حديث الرسول (ص) وسيرته وسيرة أهل بيته وأصحابه وأخبارهم الصحيحة ويبدّلونها بأخبار مختلقة، كما فعل سيف ذلك بدافع زندقته. وأنّ العلماء يروّجون هذه الروايات المختلقة بدلا من الروايات الصحيحة مع علمهم بأنّها غير صحيحة لما يجدون فيها

دفاعا عن السلطة الحاكمة وذويهم من خلفاء وولاة واُمراء ! ! !

وهذا النوع من الكتمان غير قليل عند علماء مدرسة الخلفاء.

 


 66  السبائيون في روايات سيف هم عمّار وحجر بن عدي وصعصعة بن صوحان ومحمد ابن أبي بكر ومالك الاشتر ونظراؤهم. راجع عبد اللّه بن سبأ الجزء الثاني، فصل (حقيقة ابن سبأ والسبئية).

 67  تأريخ الطبري، ط. اوربا 1 / 2980.