سيف يضع حلاّ لمعضلة مدرسة
الخلفاء :
مرّ بنا كيف كانت مدرسة الخلفاء تعمد إلى كتمان كلّ ما فيه ذكر للوصيّة حذفا
وتحريفا وطعنا على رواة الحديث والمحتجّين به، وتأويلا للنصوص الصريحة للوصيّة، ولم
يبلغ أحدهم شأو سيف في ما وضع من حلّ لهذه المشكلة العويصة بتحريفه الحقائق إلى ما
يناقضها في ما اختلقه من روايات نذكرها في ما يأتي :
أ
ـ روى الطبري(46) في أوّل أخبار سنة خمس وثلاثين للهجرة الرواية الاتية :
(عن سيف، عن عطية، عن يزيد الفقعسي، قال : كان عبد اللّه بن سبأ يهوديّا من أهل
صنعاء، اُمّه سوداء، فأسلم زمان عثمان، ثمّ تنقّل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم،
فبدأ بالحجاز ثمّ البصرة ثمّ الكوفة ثمّ الشام. فلم يقدر على ما يريد عند أحد من
أهل الشام، فأخرجوه حتّى أتى مصر فاعتمر فيهم، فقال لهم في ما يقول : لَعَجَبٌ ممّن
يزعم أنّ عيسى يرجع ويكذب بأنّ محمدا يرجع وقد قال اللّه عزّ وجلّ : ( إنَّ الذي
فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعاد) فمحمّد أحقّ بالرجوع من عيسى، قال
: فقيل ذلك عنه فوضع لهم الرجعة فتكلّموا فيها، ثمّ قال لهم بعد ذلك : إنّه كان ألف
نبيّ ولكلّ نبيّ وصيّ، وكان عليّ وصيّ محمد. ثمّ قال : محمد خاتم الانبياء، وعليّ
خاتم الاوصياء. ثمّ قال بعد ذلك : من أظلم ممّن لم يُجز وصيّة رسول اللّه (ص) ووثبت
على وصيّ رسول اللّه (ص)
وتناول أمر الاُمّة ؟ ثمّ قال لهم بعد ذلك : إنّ عثمان أخذها بغير حقّ، وهذا وصيّ
رسول اللّه (ص) فانهضوا في هذا الامر فحرّكوه وابدأوا بالطعن على اُمرائكم، وأظهروا
الامر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس وادعوهم إلى هذا الامر.
فبثّ دعاته وكاتب من كان استفسد في الامصار، وكاتبوه ودعوا في السرّ إلى ما عليه
رأيهم، وأظهروا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعلوا يكتبون إلى الامصار بكتب
يضعونها في عيوب ولاتهم ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك، ويكتب أهل كلّ مصر منهم إلى مصر
آخر بما يصنعون، فيقرأه اُولئك في أمصارهم وهؤلاء في أمصارهم حتّى تناولوا بذلك
المدينة. وأوسعوا الارض إذاعة وهم
يريدون غير ما يُظهرون ويسرّون غير ما يُبدون، فيقول أهل كلّ مصر : إنّا لَفي عافية
ممّا ابتُلي به هؤلاء، إلاّ أهل المدينة، فإنّهم جاءهم ذلك عن جميع الامصار فقالوا
: إنّا لفي عافية ممّا فيه الناس وجامعه محمد وطلحة من هذا المكان، قالوا : فأتوا
عثمان فقالوا : يا أمير المؤمنين، أيأتيك عن الناس الذي يأتينا؟ قال : لا واللّه ما
جاءني إلاّ السلامة، قالوا : فإنّا قد أتانا وأخبروه بالذي أسقطوا
إليهم، قال : فأنتم شركائي وشُهود المؤمنين، فأشيروا عليّ، قالوا : نشير عليك أن
تبعث رجالا ممّن تثق بهم إلى الامصار حتّى يرجعوا إليك بأخبارهم. فدعا محمد بن
مسلمة فأرسله إلى الكوفة وأرسل اُسامة بن زيد إلى البصرة وأرسل عمّار بن ياسر إلى
مصر وأرسل عبد اللّه بن عمر إلى الشام وفرّق رجالا سواهم، فرجعوا جميعا قبل عمّار
فقالوا : أيّها الناس ما أنكرنا شيئا ولا أنكره أعلام المسلمين ولا عوامّهم وقالوا
جميعا : الامر أمر المسلمين إلاّ أنّ اُمراءهم يقسطون بينهم ويقومون عليهم، واستبطأ
الناس عمّارا حتّى ظنّوا أنّه قد اغتيل، فلم يفجأهم إلاّ كتاب من عبد اللّه بن سعد
بن أبي سرح يخبرهم أنّ عمّارا قد استماله قوم بمصر وقد انقطعوا إليه، منهم عبد
اللّه بن السوداء وخالد بن ملجم وسودان بن حمران وكنانة بن بشر).
ب
ـ روى الذهبي(47) في أوائل ذكره أخبار سنة خمس وثلاثين هجرية الحديثين الاتيين :
أوّلا ـ (قال سيف بن عمر بن عطية، عن يزيد الفقعسي، قال : لمّا خرج ابن السوداء
إلى مصر نزل على كنانة بن بشر مرّة وعلى سودان بن حمران مرّة، وانقطع إلى الغافقي،
فشجّه الغافقي فكلّمه، وأطاف به خالد بن ملجم وعبد اللّه ابن رزين وأشباهٌ لهم فصرف
لهم القول فلم يجدهم يُجيبون إلى الوصيّة...) إلى آخر
الحديث الطويل.
ثانيا ـ روى بعد هذا الحديث خبر عمّار في مصر كالاتي :
(قال سيف : عن مبشر وسهل بن يوسف، عن محمد بن سعد بن أبي وقاص، قال : قدم عمّار بن
ياسر من مصر وأبي يسأل، فبلغه فبعثني إليه أدعوه، فقام معي وعليه عمامة وسخة وجبّة
فراء، فلمّا دخل على سعد قال له : ويحك يا أبا اليقظان، إن كنت فينا لمن أهل الخير
فما الذي بلغني عنك من سعيك في فساد بين المسلمين والتألّب على أمير المؤمنين أمعك
عقلك أم لا ؟ فأهوى عمّار إلى عمامته وغضب فنزعها وقال : خلعت عثمان كما خلعت
عمامتي هذه. فقال سعد : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون، ويحك حين كبرت سنّك ورقّ عظمك
ونفد عمرك، خلعت ربقة الاسلام من عنقك وخرجت من الدين عريانا. فقام عمّار مغضبا
مولّيا وهو يقول : أعوذ بربّي من فتنة سعد. فقال سعد : ألا في الفتنة سقطوا، اللّهم
زد عثمان بعفوه وحلمه عندك درجات، حتّى خرج عمّار من الباب فأقبل عليّ سعد يبكي
حتّى اخضلّ لحيته وقال : مَن يأمن الفتنة، يا بُنيّ لا يخرجنّ منك ما سمعت منه
فإنّه من الامانة وإنّي أكره أن يتعلّق به الناس عليه يتناولونه، وقد قال رسول
اللّه (ص) :
الحقّ مع عمّار ما لم تغلب عليه ولهة الكبر، فقد وله وخرف. وممّن قام على عثمان،
محمد بن أبي بكر الصديق، فسأل سالم بن عبد اللّه في ما قيل عن سبب خروج محمد، قال :
الغضب والطمع وكان من الاسلام بمكان، وغرّه أقوام فطمع وكانت له دالّة ولزمه حقّ
فأخذه عثمان من ظهره.
ج
ـ روى الطبري(48) في أخبار سنة ثلاثين أمر أبي ذرّ كالاتي:
(عن سيف، عن عطية، عن يزيد الفقعسي، قال : لمّا ورد ابن السوداء الشام لقي أبا ذرّ
فقال : يا أبا ذرّ ألا تعجب إلى معاوية يقول : المال مال اللّه، ألا إنّ كلّ شيء
للّه كأنّه يريد أن يحتجنه دون المسلمين ويمحو اسم المسلمين، فأتاه أبو ذرّ فقال :
ما يدعوك إلى أن تسمّي مال المسلمين مال اللّه ؟ قال : يرحمك اللّه يا أبا ذرّ،
ألسنا عباد اللّه والمال ماله والخلق خلقه والامر أمره، قال : فلا تقله. قال :
فإنّي لا أقول إنّه ليس للّه، ولكن سأقول مال المسلمين. قال : وأتى ابن السوداء أبا
الدرداء فقال له : من أنت ؟ أظنّك واللّه يهوديّا. فأتى عبادة ابن الصامت فتعلّق به
فأتى به معاوية فقال : هذا واللّه الذي بعث عليك أبا ذرّ.
وقام أبو ذرّ بالشام وجعل يقول : يا معشر الاغنياء واسوا الفقراء، بشّر الذين
يكنزون الذهب والفضّة ولا ينفقونها في سبيل اللّه بمكاوٍ من نار تُكوى بها جباههم
وجنوبهم وظهورهم، فما زال حتّى ولع الفقراء بمثل ذلك وأوجبوه على الاغنياء وحتّى
شكا الاغنياء ما يلقون من الناس. فكتب معاوية إلى عثمان : إنّ أبا ذرّ قد أعضل بي
وقد كان من أمره كيت وكيت. فكتب إليه عثمان : إنّ الفتنة قد أخرجت خطمها وعينها فلم
يبقَ إلاّ أن تثبت فلا تنكأ القرح وجهّز أبا ذرّ إليّ وابعث معه دليلا وزوّده وارفق
به وكفكف الناس ونفسك ما استطعت فإنّما تمسك ما استمسكت، فبعث بأبي ذرّ ومعه دليل،
فلمّا قدم المدينة ورأى المجالس في أصل سلع قال : بشّر أهل المدينة بغارة شعواء
وحرب مذكار. ودخل على عثمان فقال : يا أبا ذرّ ما لاهل الشام يشكون ذَرَبك ؟ فأخبره
أنّه لا ينبغي أن يقال مال اللّه ولا ينبغي للاغنياء أن يقتنوا مالا، فقال : يا أبا
ذرّ عليّ أن أقضي ما عليّ وآخذ ما على الرعيّة ولا اُجبرهم على الزهد وأن أدعوهم
إلى الاجتهاد والاقتصاد، قال : فتأذن لي في الخروج ؟ فإنّ المدينة ليست لي بدار.
فقال : أوَتستبدل بها إلاّ شرّا منها، قال : أمرني رسول اللّه (ص) أن أخرج منها إذا
بلغ البناء سلعا. قال : فانفذ بما أمرك به. قال : فخرج حتّى نزل الربذة فخطّ بها
مسجدا وأقطعه عثمان صرمة من الابل وأعطاه مملوكين وأرسل إليه أن تعاهد المدينة حتّى
لا ترتدّ أعرابيا، ففعل).
46 تأريخ الطبري، ط. اوربا 1 / 2941 ـ 2944.
47 تأريخ الاسلام 2 / 122 ـ 128.
48 تأريخ الطبري، ط. اوربا 1 / 2858 ـ 2859.