فتح أليس وتخريب أمغيشيا في
أحاديث سيف :
روى الطبري عن سيف في خبر أليس وأمغيشيا من فتوح سواد العراق وقال في خبر أليس :
فاقتتلوا قتالا شديدا والمشركون يزيدهم كَلَبا وشدّة ما يتوقّعون من قدوم بهمن
جاذويه، فصابروا المسلمين للذي كان في علم اللّه أن يصيرهم إليه وحَرِبَ المسلمون
عليهم، وقال خالد : اللّهم إنّ لك عليّ إن منحتنا أكتافهم ألاّ أستبقي منهم أحدا
قدرنا عليه حتّى اُجري نهرهم بدمائهم، ثمّ إنّ اللّه عزّ وجلّ كشفهم للمسلمين
ومنحهم أكتافهم، فأمر خالد مناديه فنادى في الناس : الاسر الاسر، لا تقتلوا إلاّ من
امتنع فأقبلت الخيول بهم أفواجا مستأسرين يساقون سوقا وقد
وكّل بهم رجالا يضربون أعناقهم في النهر، ففعل ذلك بهم يوما وليلة، وطلبوهم الغد
وبعد الغد حتّى انتهوا إلى النهرين ومقدار ذلك من كلّ جوانب أليس، فضرب أعناقهم
وقال له القعقاع وأشباه له : لو أنّك قتلت أهل الارض لم تجرِ دماؤهم إنّ الدماء لا
تزيد على أن ترقرق منذ نهيت عن السيلان ونُهيت الارض عن نشف الدماء، فأرسل عليها
الماء، تبرّ بيمينك، وقد كان صدّ الماء عن النهر فأعاده فجرى دما عبيطا فسمّي نهر
الدم لذلك الشأن إلى اليوم. وقال آخرون منهم بشير بن الخصاصية: وبلغنا أنّ الارض
لمّا نشفت دم ابن آدم نُهيت عن نشف الدماء ونُهي الدم عن السيلان إلاّ مقدار برده.
وقال : كانت على النهر أرحاء فطحنت بالماء وهو أحمر قوت العسكر ثمانية عشر ألفا أو
يزيدون ثلاثة أيّام....
وقال بعده في خبر هدم مدينة أمغيشيا :
لمّا فرغ خالد من وقعة أليس، نهض فأتى أمغيشيا وقد أعجلهم عمّا فيها وقد جلا أهلها
وتفرّقوا في السواد، فأمر خالد بهدم أمغيشيا وكلّ شيء كان في حيزها، وكانت مصرا
كالحيرة، وكانت أليس من مسالحها، فأصابوا فيها ما لم يصيبوا مثله قطّ.
إختلق سيف جميع هذه الاخبار بتفاصيلها مع رواتها ولنتأمّل في ما وضع واختلق في
الخبرين.
نظرة تأمّل في رواية سيف عن
أليس ومدينة أمغيشيا :
قال سيف :
في
وقعة أليس آلى خالد أن يجري نهرهم بدمائهم، فلمّا غلب غيّر مجرى الماء من نهرهم
واستأسر فلول الجيش الفارسي والمدنيين من أهل الارياف من كلّ جوانب أليس مسافة
يومين وأقبلت الخيول بهم أفواجا مستأسرين ووكّل بهم رجالا يضربون أعناقهم على النهر
يوما وليلة، والدم ينشف فقال له القعقاع ـ الصحابي الذي اختلقه سيف ـ وأشباه له :
لو قتلت أهل الارض لم تجرِ دماؤهم، أرسل عليها الماء تبرّ يمينك، فأرسل عليها الماء
فأعاده فجرى النهر دما عبيطا فسمّي نهر الدم لذلك إلى اليوم. ثمّ قال : ذهب خالد
إلى أمغيشيا وكانت مصرا كالحيرة فأمر بهدم أمغيشيا وكلّ شيء كان في حيزها وبلغ عدد
قتلاهم سبعين ألفا.
*
*
*
وأمّا هدم مدينة أمغيشيا التي اختلق سيف المدينة وحيّزها وخبر هدمها، فقد كان له
نظير في التأريخ من قبل طغاة مثل هولاكو وجنكيز وكذلك قتل الاسرى، غير أنّ سيفا نسب
إلى خالد ما لم يجرِ له نظير في تأريخ الحروب وهو أنّه أجرى نهرهم بدمائهم، وأنّه
لذلك سمّي نهرهم بنهر الدم إلى اليوم.
اختلق سيف كلّ هذه الاخبار واختلق أخبار معارك الثني والمذار والمقر وفم فرات
بادقلي وحرب المصيخ وقتلهم الكفّار يومذاك حتّى امتلا الفضاء من قتلاهم، فما شبهوهم
إلاّ بغنم مصرّعة وكذلك معركة الزميل والفراض وقتل مائة ألف من الروم فيها.
اختلق سيف جميع أخبار هذه الحروب ونظائرها وانتشرت في تواريخ الطبري وابن الاثير
وابن كثير وابن خلدون وغيرهم، ولا حقيقة لواحدة منها، وقد ناقشنا أخبارها وأسانيدها
في بحث (انتشار الاسلام بالسيف والدم في حديث سيف) من كتاب (عبد اللّه بن سبأ)
الجزء الثاني.
ألا يحقّ لخصوم الاسلام مع هذا التأريخ المزيّف أن يقولوا : (إنّ الاسلام انتشر
بحدّ السيف) ! ؟
وهل يشكّ أحد بعد هذا في هدف سيف من وضع هذا التأريخ وما نواه من سوء للاسلام ؟ !
وما الدافع لسيف إلى كلّ هذا الدسّ والوضع إن لم تكن الزندقة التي وصفه العلماء بها
! ؟
وأخيرا هل خفي كلّ هذا الكذب والافتراء على إمام المؤرّخين الطبري ؟
وعلاّمتهم ابن الاثير ؟ ومكثرهم ابن كثير ؟ وفيلسوفهم ابن خلدون ؟ وعلى عشرات من
أمثالهم، كابن عبد البرّ وابن عساكر والذهبي وابن حجر ؟ كلاّ فإنّهم هم الذين وصفوه
بالكذب ورموه بالزندقة ! وقد ذكر الطبري وابن الاثير وابن خلدون في تواريخهم في
وقعة ذات السلاسل : أنّ ما ذكره سيف فيها خلاف ما يعرفه أهل السير!
إذا فما الذي دعاهم إلى اعتماد رواياته دون غيرها مع علمهم بكذبه وزندقته، إن هو
إلاّ أنّ سيفا حلّى مفترياته بإطارٍ من نشر مناقب ذوي السلطة من الصحابة، فبذل
العلماء وسعهم في نشرها وترويجها، مع علمهم بكذبها ؟ ففي فتوح العراق ـ مثلا ـ أورد
مفترياته تحت شعار مناقب خالد بن الوليد، فقد وضع على لسان أبي بكر أنّه قال بعد
معركة أليس وهدم مدينة أمغيشيا : (يا معشر
قريش عدا أسدكم على الاسد فغلبه على خراذيله، أعجزت النساء أن ينشئن مثل خالد).
كما زيّن ما اختلق في معارك الردّة بإطار من مناقب الخليفة أبي بكر، وكذلك فعل في
ما روى واختلق عن فتوح الشام وإيران على عهد عمر، والفتن في عصر عثمان، وواقعة
الجمل في عصر عليّ، فإنّه زيّن جميعها بإطارٍ من مناقب ذوي السلطة والدفاع عنهم في
ما انتقدوا عليه وبذلك راجت روايات سيف وشاعت أكاذيبه ونسيت الروايات الصحيحة
واُهملت، على أنّه ليس في ما وضعه سيف واختلق ـ على الاغلب ـ فضيلة للصحابة بل فيه
مذمّة لهم.
ولست أدري كيف خفي على هؤلاء أنّ جلب خالد عشرات الاُلوف من البشر وذبحهم على النهر
ليجري نهرهم بدمائهم ليس فضيلة له، ولا هدمه مدينة أمغيشيا ولا نظائرها إلاّ على
رأي الزنادقة في الحياة من أنّها سجن للنور، وأنّه ينبغي السعي في إنهاء الحياة
لانقاذ النور من سجنه(45).
ومهما يكن من أمر، فإنّ بضاعة سيف المزجاة إنّما راجت لانّه طلاها بطلاء من مناقب
الكبراء، وإنّ حرص هؤلاء على نشر فضائل ذوي السلطة والدفاع عنهم أدّى بهم إلى نشر
ما في ظاهره فضيلة لهم وإن لم تكن لهم في واقعه فضيلة !
والانكى من ذلك أنّ سيفا لم يكتفِ باختلاق روايات في ظاهرها مناقب للصحابة من ذوي
السلطة ويدسّ فيها ما شاء لهدم الاسلام، بل اختلق صحابة للرسول (ص) لم يخلقهم اللّه
! ووضع لهم ما شاء من كرامات وفتوح وشعر ومناقب كما شاء ! وذلك معرفة منه بأنّ
هؤلاء يتمسّكون بكلّ ما فيه مناقب لاصحاب الحكم كيف ما كان، فوضع واختلق ما شاء
لهدم الاسلام ! اعتمادا منه على هذا الخلق عند هؤلاء ! وضحكا منه على ذقون المسلمين
! ولم يخيّب هؤلاء ظنّ سيف، وإنّما روّجوا مفترياته زهاء ثلاثة عشر قرنا !
*
*
*
أوردنا إلى هنا أمثلة ممّا اختلقه سيف للطعن بالاسلام وأطّره بإطار مناقب كبراء
الصحابة والتابعين أي ذوي السلطة منهم، وفي ما يأتي ندرس أمثلة اُخرى منها ممّا
أطّره بإطار حلّ معضلة مدرسة الخلافة مدى القرون، كما سيأتي بيانها.
45 راجع بحث الزندقة والزنادقة من البحوث التمهيدية في الجزء
الاوّل من (خمسون ومائة صحابي مختلق).