ثانيا ـ خبر مناجاة كسرى مع
الرسول عند اللّه في رواية سيف :
روى سيف في قصّة مسير يزدجرد إلى خراسان بعد واقعة جلولاء وقال :
(كان يزدجرد بن شهريار بن كسرى وهو يومئذ ملك فارس، لمّا انهزم أهل جلولاء خرج يريد
الريّ وكان ينام في محمله والبعير يسير به ولا يعرسون، فانتهوا به إلى مخاضة وهو
نائم في محمله فأنبهوه ليعلم ولئلاّ يفزع إذا خاض البعير، فعنف وقال : بئسما صنعتم،
واللّه لو تركتموني لعلمت ما مدّة هذه الاُمّة، إنّي رأيت : أنّي ومحمدا تناجينا
عند اللّه، فقال له :
ـ
إملكهم مائة سنة.
فقال : زدني.
فقال : عشرا ومائة سنة.
فقال : زدني.
فقال : عشرين ومائة سنة.
فقال : لك.
وأنبهتموني، فلو تركتموني لعلمت ما مدّة هذه الاُمّة...)(43).
دراسة خبر مناجاة كسرى
والرسول (ص) :
أ
ـ دراسة رواة الخبر :
روى سيف اُسطورة مناجاة كسرى والرسول (ص) عند اللّه عن مختلقاته من الرواة الاتية
أسماؤهم :
1
ـ محمد، وقد تخيّله : محمد بن عبد اللّه بن سواد بن نويرة.
2
ـ المهلّب، وهو عنده : المهلّب بن عقبة الاسدي.
3
ـ عمرو، وقد اختلق سيف راويين باسم عمرو، تخيّل أحدهما : عمرو ابن ريان، والاخر :
عمرو بن رفيل، وبيّنا اختلاقه هذه الاسماء في الجزء الاوّل من (عبد اللّه بن سبأ) و
(خمسون ومائة صحابيّ مختلق).
ب
ـ دراسة متن الخبر :
درسنا متن هذا الخبر في أوّل الجزء الاوّل من (خمسون ومائة صحابيّ مختلق) وبيّنا
زيفه ولا حاجة لاعادة البحث في هذه العجالة.
ماذا استهدف الزنديق من وضع هذين الخبرين ؟
زعم سيف أنّ الاسود الذي ادّعى النبوّة كان يخبر قيسا بكلّ ما ينويه مرّة بعد اُخرى
ويقول :
(قال الملك !) وكان الملك الذي يخبره هو الشيطان ! وظهرت من الاسود مدّعي النبوّة
معجزة باهرة حين خطّ خطّا أوقف وراءه مائة جزور بين بقرة وبعير وقام من دونها
ونحرها جميعا غير محبسة ولا معقلة ما يقتحم الخطّ منها شيء، ثمّ خلاها فجالت إلى
أن زهقت، وإنّ الراوي استعظم هذا الامر ! وقال في الخبر الثاني : (إنّ كسرى رأى في
المنام أنّه اجتمع مع اللّه ورسوله في مؤتمر
ثلاثي...) الحديث.
أليس مغزى الاُسطورة الاُولى أنّ نبيّ المسلمين ادّعى النبوّة وكان من يسمّيه
(الملك) يخبره بالغيب، وتصدر منه المعجزات؟
والاسود العنسي أيضا ادّعى النبوّة وكان من يسمّيه (الملك) يخبره بالغيب وتظهر منه
المعجزات ؟ هل نشر الزنديق هذه الاُسطورة دون أن يقصد إلقاء الشبهات في أذهان
المسلمين ؟
وفي الاُسطورة الثانية، ألم يقصد الزنديق الاستهزاء بربّ المسلمين ونبيّهم حين
جمعهما في مؤتمر واحد مع عدوّهما يزدجرد ملك الفرس في ما رآه ! ! ؟
هكذا نقل كبار العلماء عن سيف أساطير الخرافة وحشوا بها كتب التأريخ الاسلامي
وأصبحت تلك الاساطير جزءا من مصادر الدراسات الاسلامية،
وكذلك نشروا في كتب التأريخ الاسلامي ما أشاعه سيف الزنديق بأنّ الاسلام انتشر بحدّ
السيف، نظير الاخبار الاتية :
43 راجع مصادره في البحث الاوّل من البحوث التمهيدية في الجزء
الاوّل من (خمسون ومائة صحابيّ مختلق).