نظرة تأمّل في سبب اختيار كبار العلماء الافذاذ

روايات سيف في أخبار صدر الاسلام

قال الطبري في خبر أبي ذرّ الصحابي الفقير ـ مثلا ـ مع معاوية الامير :

( كرهت ذكر أكثرها، فأمّا العاذرون معاوية في ذلك فإنّهم ذكروا في ذلك قصّة... عن سيف).

وقال ابن الاثير :

(... مِنْ سبِّ معاوية إيّاه وتهديده بالقتل وحمله إلى المدينة من الشام بغير وطاء ونفيه من المدينة على الوجه الشنيع لا يصلح النقل به). ثمّ أورد قصّة سيف ووصفهم كذلك بالعاذرين.

إنّ العالمين الكبيرين لم يتركا روايات غير سيف لعدم اعتمادهما عليها، بل لانّهما لم يجدا فيها العذر للسلطة الحاكمة، ووجدا العذر عند العاذرين معاوية الامير وعثمان الخليفة، وهم سيف الزنديق وسلسلة رواته المختلقين، فحشّى الطبري تأريخه الكبير بروايات سيف، وللسبب نفسه أخذ ابن الاثير روايات سيف من تأريخ الطبري، وكذلك فعل ابن كثير حيث قال في آخر ذكره خبر واقعة

الجمل من أخبار سنة ستّ وثلاثين هجرية عمّا نقله من أخبار سيف في حوادث ما بعد وفاة رسول اللّه (ص) إلى واقعة الجمل :

(هذا ملخّص ما ذكره ابن جرير الطبري ؛ عن أئمة هذا الشأن) وقصد من أئمة هذا الشأن الذين ذكر ابن جرير الطبري الاخبار عنهم سيف الزنديق ورواته المختلقين.

وقد أفصح العلاّمة ابن خلدون أكثر منهم في سبب اختيارهم روايات سيف المنتشرة في تأريخ الطبري عن أخبار الخلافة أي بيعة الخلفاء والردّة والفتوح والجماعة أي الاجتماع على بيعة معاوية وقال :

(إنّه أوثق ما رأيناه في ذلك وأبعد عن المطاعن والشبهة في كبار الاُمّة).

إذا فإنّ روايات سيف في تأريخ الطبري عن تلك الاخبار أوثق عندهم، لانّها أبعد عن المطاعن والشبهة في كبار الاُمّة من الصحابة والتابعين، وهم الخلفاء والولاة وذووهم، وإليكم دليلا آخر على أنّه من المعيب أن يذكر ما يورد النقد على الكبراء وينبغي البحث عن العذر لهم في ما يوجّه النقد إليهم كيف ما كان؛ في خبر دءر سعد بن أبي وقّاص الحدّ عن أبي محجن والبحث عن العذر لسعد الامير.

كان أبو محجن الثقفي كما في ترجمته من الاستيعاب واُسد الغابة والاصابة، مدمنا للخمر وحدّه الخليفة عمر سبع مرّات لذلك، وأخيرا نفاه من المدينة، والتحق بسعد بن أبي وقاص في حرب القادسية فقيّده لشربه الخمر وأطلقت زوجة سعد سراحه وكانت له مواقف مشهورة في الحرب، فدرأ سعد الحدّ عنه لموقفه وقال : واللّه لا نجلدك على الخمر أبدا. قال أبو محجن : وإذا لا أشربها أبدا.

كان هذا خبر دءر سعد الحدّ عن أبي محجن، وفي هذا الشأن نقل ابن حجر في ترجمة أبي محجن في كتابه الاصابة عن كتاب ابن فتحون (ت : 519 ه) :

(التذييل على استيعاب أبي عمر بن عبد البرّ) وقال :

(وقد عاب ابن فتحون أبا عمر على ما ذكره في قصة أبي محجن، أنّه كان منهمكا في الشراب ـ إلى قوله ـ : وأنكر ابن فتحون على من روى أنّ سعدا أبطل عنه الحدّ وقال : [ لا يظنّ هذا بسعد ] ثمّ قال : [ لكن له وجه حسن ] ولم يذكره وكأنّه أراد بقوله لا يجلده في الخمر بشرط أضمره وهو : إن ثبت عليه أنّه يشربها، فوفّقه اللّه أن تاب توبة نصوحا فلم يعد إليها...)(39).

* * *

هكذا يبحث أتباع مدرسة الخلفاء عمّا يرفع النقد عن الكبراء وهم

الخلفاء والولاة وذووهم من الخلفاء الاوائل حتّى معاوية ومروان بن

الحكم ويزيد ابن معاوية وولاتهم الذين يسمّونهم الكبراء أو كبراء

الصحابة والتابعين. وبما أنّ سيف بن عمر الزنديق عرف من أين تؤكل الكتف، فقد وضع روايات موافقة لرغبات جميع الطبقات بمدرسة الخلفاء مدى العصور، وطلى رواياته بطلاء الدفاع عن الخلفاء وذويهم في ما انتُقدوا عليه ونشر فضائلهم.

وتحت هذا الغطاء السميك استطاع أن يخفي أهدافه في الطعن بالاسلام والاضرار به ونشر الخرافات الضارّة بالعقائد الاسلامية بين المسلمين، وكذلك استطاع أن ينشر ويذيع بين الناس أنّ الاسلام انتشر بحدّ السيف.

استطاع سيف أن يصل إلى كلّ أهدافه في ما اختلق بدافع زندقته. وسنورد أمثلة ممّا ذكرنا في ما يأتي.

ومن أمثلة نشره الخرافات الضارّة بالعقيدة الاسلامية ما رواه في خبر الاسود العنسي المتنّبئ وخبر مناجاة كسرى مع الرسول (ص) عند اللّه كالاتي.


39 الاصابة 4 / 173 ـ 175.