2  ـ  الطعن  في  رواة  الحديث :

نقل ابن عبد البرّ عن الشعبي أنّه قال في الحارث الهمداني :

(حدّثني الحارث وكان أحد الكذّابين) قال ابن عبد البرّ :

(ولم يبن من الحارث كذب، وإنّما نقم عليه إفراطه في حبّ علي وتفضيله له على غيره، ومن ها هنا واللّه كذّبه الشعبي لانّ الشعبي يذهب إلى تفضيل أبي بكر وإلى أنّه أوّل من أسلم)(22) انتهى قول ابن عبد البرّ.

3  ـ  الطعن  في  أئمة  الحديث :

في مدرسة الخلفاء يطعنون أحيانا في أئمة الحديث الذين يروون حديثا يخالف اتّجاهها، مثل ما جرى للحاكم الشافعي كما رواه الذهبي بترجمته(23) وفي ما يلي ما أورده بإيجاز :

الحافظ الكبير إمام المحدّثين، أبو عبد اللّه، محمد بن عبد اللّه بن محمد ابن حمدويه النيسابوري المعروف بابن البيع. ولد سنة 312 ه‍‍ ، وتوفّي سنة 405 ه‍‍ .

طلب الحديث من الصغر ورحل إلى العراق وحجّ وجال في خراسان وما وراء النهر وسمع من ألفي شيخ أو نحو ذلك، بلغت تصانيفه قريبا من خمسمائة جزء ومن تآليفه فضائل الشافعي، ونقل أنّ مشايخ الحديث كانوا يذكرون أيامه وأنّ الائمة من مقدّمي عصره كانوا يقدّمونه على أنفسهم ويراعون حقّ فضله ويعرفون له الحرمة الاكيدة.

قال الذهبي : وسئل الحاكم عن حديث الطير فقال : (لا يصحّ، ولو صحّ لما كان أحد أفضل من عليّ (رض) بعد النبي (ص)).

وقال : ثمّ تغيّر رأي الحاكم وأخرج حديث الطير في مستدركه.

ونقل الذهبي عن العلماء أنّهم قالوا عن مستدركه : إنّه جمع فيه أحاديث وزعم أنّها على شرط البخاري ومسلم، منها حديث الطير، ومن كنت مولاه فعليّ مولاه، فأنكرها عليه أصحاب الحديث فلم يلتفتوا إلى قوله.

وقال الذهبي :

أمّا حديث الطير، فله طرق كثيرة جدّا قد أفردتها بمصنّف ومجموعها هو يوجب أن يكون الحديث له أصل.

وأمّا حديث ((من كنت مولاه فعليّ مولاه))، فله طرق جيّدة، وقد أفردت ذلك أيضا. يعني الذهبي أنّه ألّف في حديث ((من كنت مولاه فعليّ مولاه)) كتابا خاصّا.

قال المؤلف :

أمّا حديث (( من كنت مولاه)) فسيأتي بحثه في ذكر النصوص الواردة عن الرسول (ص) في حقّ الامام علي (ع) إن شاء اللّه تعالى.

وحديث الطير برواية الصحابيّ أنس وغيره من الصحابة، أنّه اُهدي إلى رسول اللّه طير مشويّ فدعا أن يأتيه اللّه بأحبّ الخلق إليه ـ أي بعد رسول اللّه (ص) ـ فيأكل معه، فجاء عليّ وأكل معه، وبما أنّ الحديث يدلّ على أنّ الامام عليّا أفضل الناس بعد رسول اللّه (ص) فقد أنكروا على الحاكم وغيره رواية هذا الحديث، ولم نُخرجها نحن في باب النصوص، لانّنا لسنا بصدد إيراد فضائل الامام عليّ (ع) وإنّما نورد النصوص الصريحة في حقّ آل الرسول (ص) في الحكم.

نقل الذهبي فضل الحاكم الشافعي في علم الحديث بمدرسة الخلفاء، وبما أنّه خرّج في مستدركه أحاديث في فضل الامام عليّ (ع) وما فيه انتقاص لمعاوية، طعنوا فيه وقالوا ما نقله الذهبي :

(ثقة في الحديث، رافضي خبيث).

(كان يظهر التسنّن في التقديم والخلافة وكان منحرفا عن معاوية وآله ـ يعني يزيد ـ متظاهرا بذلك ولا يعتذر منه).

قال الذهبي :

(قلت : أمّا انحرافه عن خصوم عليّ فظاهر، وأمّا أمر الشيخين فمعظم لهما بكلّ حال فهو شيعي لا رافضي، وليته لم يصنّف المستدرك فإنّه غضّ من فضائله بسوء تصرّفه). انتهت أقوال الذهبي.

ولامام المحدّثين بمدرسة الخلفاء اُسوة بإمام المذهب الشافعي محمد بن إدريس (ت : 204 ه‍‍) حيث رمي بالرفض كما رواه البيهقي، فقال الشافعي في ذلك :

             قالوا ترفّضت، قلت كلا

                                ّما الرفض ديني ولا اعتقادي

             لكن تولّيت غير شك‌ّ

                                  خير إمام وخير هادي

       إن كان حبّ الوصيّ(24) رفضا

                                     فإنّني أرفض العبادِ

وممّا قال أيضا :

       إن كان رفضا حبّ آل محمد

                                 فليشهد الثقلان أنّي رافضي

ويظهر أنّه كان يضطرّ إلى الكتمان أحيانا فقد قال :

       ما زال كتما منك حتّى كأنّني‌

                            بردّ جواب السائلين لاعجم

            وأكتم ودّي مع صفاء مودّتي

                                  ‌لتسلم من قول الوشاة وأسلم(25)

غير أنّه لم ينفعه الكتمان ورمي بالرفض كغيره من العلماء الذين لا يكتمون رأيهم في ما جاء عن سنّة الرسول (ص) وسيرة الصحابة، وإنّ أغلب علماء المذهب الشافعي بمدرسة الخلفاء لا يكتمون الحديث كما يفعله علماء المذاهب الاُخرى في تلك المدرسة ولذلك يرمون بالرفض.

*          *          *

في هذا الباب لاحظنا أنواعا من الانكار بدءا بتضعيف الراوي والرواة إلى طعنهم بالتشيّع والرفض والذي كان يؤدّي إلى إسقاط الحديث عن الاعتبار. وكلّ أنواع الانكار من أسهل الاُمور في باب الاحتجاج للمنكر ومن أصعب الاُمور عندئذ إثبات الحقّ، فإنّ المنكر يسهل عليه أن يقول : الحديث ضعيف، باطل، كذب. وعلى صاحب الحقّ أن يأتي بالدليل تلو الدليل وليس للمُنكِر في مقابله أكثر من الانكار وعدم القبول، وهو في حقيقته قتل معنويّ للرواة، وأحيانا يقتل الراوي الذي يروي ما يخالف مصلحة مدرسة الخلفاء جسديا، كما نذكر في ما يأتي مثالا واحدا منه لما جرى لاحد أصحاب الصحاح الستّة بمدرسة الخلفاء .

 


 22  جامع بيان العلم، باب حكم العلماء بعضهم في بعض 2 / 189.

 23  تذكرة الحفّاظ ص 1039 ـ 1045.

 24  جاء في ديوان الشافعي ط. بيروت 1403 ه‍ ، وكذلك في (النصائح الكافية لمن يتولّى معاوية) لمحمد بن يحيى العلوي (ت : 1350 ه‍)، وذكر ابن حجر في الصواعق المحرقة ص 131 : (الوليّ) بدلا من (الوصيّ). ولنا أن نعدّ هذا التبديل في الصواعق من موارد الكتمان لدى أتباع مدرسة الخلفاء.

25 هذا موجز ما ذكره الهيثمي (ت : 974 ه) في الصواعق، ط. مصر الثانية، سنة 1375 ه، ص 131، مع قول البيهقي ذكر جميعها مفصّلا والبيت : إن كان رفضا... مع بيتين آخرين رواها أيضا ابن الصبّاغ المالكي المكّي (ت : 855 ه) في كتابه الفصول حسب نقل صاحب الكنى والالقاب بترجمة الشافعي.