و ـ النهي عن كتابة سنّة
الرسول (ص) :
من
أهمّ أصناف كتمان سنّة الرسول (ص) بمدرسة الخلفاء نهي الخلفاء عن كتابة سنّة الرسول
(ص). وكان بدء النهي في عصر رسول اللّه (ص) حيث نهت قريش عبد اللّه بن عمرو بن
العاص عن كتابة حديث الرسول (ص) وقالت له : تكتب كلّ ما سمعته من رسول اللّه (ص)
ورسول اللّه (ص) بشر يتكلّم في الرضا والغضب. وقريش هنا هم المهاجرون من أصحاب رسول
اللّه (ص) وهم الذين منعوا الرسول عن كتابة وصيّته في آخر ساعة من حياته، ثمّ لمّا
وَلُوا الحكم بعد رسول اللّه (ص) نهوا عن كتابة حديث الرسول (ص) وبقي منع كتابة
الحديث ساريا حتّى عصر الخليفة الاُموي عمر بن عبد العزيز حيث رفع الحظر وأمر
بتدوين حديث الرسول (ص). وسيأتي تفصيل أخبار النهي عن كتابة حديث رسول اللّه (ص) في
الجزء الثاني من الكتاب في بحث مصادر الشريعة الاسلامية لدى المدرستين، ومضى ذكر
خبر منع الرسول (ص) من كتابة وصيّته في خبر السقيفة.
واللّه أعلم كم من حديث لرسول اللّه (ص) في أمر الوصيّة، نسي مع ما نُسي من سنّة
الرسول (ص) بسبب عدم كتابتها طيلة هذه القرون.
*
*
*
ويلحق بهذا الصنف من الكتمان
الخبران الاتيان :
أوّلا ـ خبر الانصار مع معاوية وعمرو بن العاص، كما رواه صاحب الاغاني وقال ما
موجزه :
حضرت وفود الانصار باب معاوية بن أبي سفيان، فخرج إليهم حاجبه سعد أبو درّة، فقالوا
له : استأذن للانصار. فدخل إليه وعنده عمرو بن العاص، وقال :
الانصار بالباب. فقال عمرو : ما هذا اللقب الذي قد جعلوه نسبا يا أمير المؤمنين ؟
اُردد القوم إلى أنسابهم، فقال [ له معاوية : إنّي أخاف من ذلك الشنعة، فقال ] :
هي
كلمة تقولها إن مضت عرّتهم ونقصتهم وإلاّ فهذا الاسم راجع إليهم. فقال له :
اُخرج فقل : من كان ها هنا من ولد عمرو بن عامر فليدخل، فقالها الحاجب، فدخل ولد
عمرو بن عامر كلّهم إلاّ الانصار، فنظر معاوية إلى عمرو نظر منكر، فقال له : باعدت
جدّا، فقال : اُخرج فقل : من كان ها هنا من الاوس والخزرج فليدخل، فخرج فقالها [
فلم يدخل أحد، فقال معاوية : اُخرج فقل : من كان ها هنا من الانصار فليدخل، فخرج
فقالها ] فدخلوا يقدمهم النعمان بن بشير، وهو يقول :
يا سعد لا تُعِد الدُّعاء فما لنا
نسبٌ نجيب به سوى الانصار
نسبٌ تخيّره الالهُ لقومنا
أثقِل به نسبا على الكفّار
إنّ الذين ثَوَوا ببدرٍ منكم
يوم القليب هم وقود النار
وقام مغضبا فانصرف. فبعث معاوية فردّه وترضّاه، وقضى حوائجه وحوائج من كان معه من
الانصار.
فقال معاوية لعمرو : كنّا أغنياء عن هذا(19).
نرى السلطة الحاكمة في هذا الخبر تنهى عن نشر لقب الانصار الذي هو من سنّة الرسول
(ص) لما فيه من ثناء على الانصار اليمانيين، وليسوا من عصبة الخلافة، والجامع بين
هذه الموارد التي أوردناها هو نهي السلطة عن نشر سنّة الرسول، حنقا على خصومها.
ثانيا ـ ما رواه ـ أيضا ـ بسنده عن ابن شهاب، قال : قال لي خالد ابن عبد اللّه
القسري : اُكتب لي النسب، فبدأت بنسب مضر، [ فمكثت فيه أياما، ثمّ أتيته، فقال لي :
ما صنعت ؟ فقلت : بدأت بنسب مضر ] وما أتممته، فقال : اقطعه قطعه اللّه مع اُصولهم،
واكتب لي السيرة. فقلت له : فإنّه يمرّ بي الشيء من سيرة عليّ بن أبي طالب أفأذكره
؟ فقال : لا، إلاّ أن تراه في قعر الجحيم(20).
نرى أنّ السلطة الحاكمة تمنع من كتابة اسم الامام عليّ (ع) إلاّ إذا ما كان فيه ذمّ
له. فكيف إذا تسمح بكتابة سنّة الرسول (ص) التي تنصّ على أنّ الرسول (ص) عيّنه
وصيّا من بعده ؟ !
نهى الخلفاء عن نشر سنّة الرسول (ص) وكان مصير من خالفهم ويروي أو يكتب ما يخالف
اتّجاههم مدى القرون القتل المعنوي أو الجسدي كما سنشير إلى أمثلة منه في ما يأتي
إن شاء اللّه.
19 الاغاني، ط. ساسي 14 / 120 و 122، و ط. بيروت
16 / 13 و 17.
20 الاغاني، ط. ساسي 19 / 59، و ط. بيروت 22 /
23.
وابن شهاب : هو محمد بن مسعود القرشي الزهري. أخرج حديثه جميع أصحاب
الصحاح (ت : 125 ه أو بعده بسنة أو سنتين). تقريب التهذيب 2 / 207.
وخالد بن عبد اللّه : ولي مكّة سنة 89 ه للوليد، والعراقين البصرة
والكوفة سنة 105 لهشام بن عبد الملك، ثمّ عزله سنة 120. وقتله والي
العراق من بعده. وقد رمي في نسبه ودينه. راجع ترجمته في الاغاني
وتهذيب تأريخ ابن عساكر 5 / 76 ـ 80 وغيره.