ه‍‍  ـ  حذف  تمام  الرواية  من  سنّة  الرسول  (ص)  مع  عدم  الاشارة إليه :

إنّ ابن هشام(12) أخذ من سيرة ابن إسحاق برواية البكائي ما أورد في سيرته من روايات سيرة الرسول (ص) وقال في ذكر منهجه بأوّل الكتاب :

(وتارك بعض ما ذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب... وأشياء يشنع

الحديث به وبعض يسوء الناس ذكره...).

وكان ممّا حذفه ابن هشام من سيرة ابن إسحاق (ممّا يسوء الناس ذكره) خبر دعوة الرسول بني عبد المطلب عندما أوحى اللّه إليه : ( وَأنْذِرْ عَشيرَتَكَ الاقْرَبِين ) فقد روى الطبري في تأريخه عن ابن إسحاق بسنده أنّ رسول اللّه (ص) قال في دعوته لبني عبد المطلب:

(((فأيّكم يؤازرني على هذا الامر على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم ؟)) فأحجم القوم عنها جميعا. وقال عليّ بن أبي طالب : أنا يا نبيّ اللّه، أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي ـ رقبة عليّ بن أبي طالب ـ ثمّ قال : ((إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا)).

قال : فقام القوم يضحكون ويقولون لابي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع)(13).

حذف ابن هشام هذا الخبر وأخبارا كثيرة اُخرى كان يرى أنّ ذكرها يسوء الناس وهم عصبة الخلافة(14). ولهذا السبب أهملت سيرة ابن إسحاق لانّ فيها أخبارا لا يرغبون في نشرها حتّى فقدت نسخها(15). واشتهرت سيرة ابن هشام وأصبحت أوثق سيرة عند الناس.

وقد أدرك الطبري أهميّة هذا النصّ في حقّ الامام عليّ بعد أن أثبته في تأريخه فتدارك في تفسيره ما غفل عنه في تأريخه، فإنّه لمّا أورد الخبر بالسند نفسه في تفسيره آية ( وَأنْذِرْ عَشيرَتَكَ الاقْرَبِين ) قال :

فأيّكم يؤازرني على هذا الامر على أن يكون أخي وكذا وكذا... ثمّ قال :

إنّ هذا أخي وكذا وكذا فاسمعوا له وأطيعوا قال : فقام القوم يضحكون ويقولون لابي طالب... الحديث(16).

وكذلك فعل ـ أيضا ـ ابن كثير في تأريخه(17) وتفسير الاية من تفسيره.

وهذا ما نسمّيه بحذف بعض الخبر مع الابهام في القول.

وأكثر من هذا ما فعله محمد حسين هيكل حيث أورد الخبر في ص  104 من الطبعة الاُولى من كتابه (حياة محمد) ولفظه :

((فأيّكم يؤازرني على هذا الامر وأن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم)).

وحذفه في الطبعة الثانية سنة 1354 ص 139 من كتابه(18).

وهذا الصنف من الكتمان أي كتمان تمام الخبر دونما إشارة إليه كثير عند علماء مدرسة الخلفاء.

 


 12  ابن هشام : أبو محمد عبد الملك بن هشام الحميري.

قال ابن خلكان : (جمع سيرة رسول اللّه (ص) من المغازي والسير لابن إسحاق وهذّبها...).

وقال السيوطي في بغية الوعاة ص 315 : (مهذّب السيرة النبوية، سمعها من زياد البكائي صاحب ابن إسحاق ونقّحها...).

قصدوا من هذّبها ونقّحها، أنّه حذف من سيرة ابن إسحاق ما كان مخالفا لمصلحة السلطة الحاكمة.

توفّي بمصر سنة 218 أو 213 ه‍ .

والبكائي : هو زياد بن عبد اللّه بن طفيل البكائي العامري (ت : 183 ه‍). وابن إسحاق : هو أبو عبد اللّه أو أبو بكر محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي ولاء، كتب السيرة بأمر الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور لابنه الخليفة المهدي. توفّي سنة 151 أو 152

أو 154 ه‍ .

ذكرنا هذه التراجم من مقدمة محمد حسين هيكل على سيرة ابن هشام، ط. القاهرة سنة 1356 ه‍ ، ورجعنا إلى هذه الطبعة في ما ذكرناه في المتن.

 13  ذكرتها ملخّصة من تأريخ الطبري، ط. مصر الاُولى 2 / 216 ـ 217.

 14  ذكرنا بعضها في كتابنا المخطوط : (من تأريخ الحديث).

 15  طبع أخيرا قسم من سيرة ابن إسحاق في الرباط بالمغرب سنة 1396 ه‍ .

 16  تفسير الطبري، ط. الاُولى بولاق سنة 1323 ـ 1330 ه‍ ، 19 / 72 ـ 75.

 17  البداية والنهاية 3 / 40.

 18  نقلناه عن كتاب الغدير للحبر الحجة الاميني، ط. طهران سنة 1372 ه‍ ، 2 / 288 ـ‍ 289.