نظرة  تأمّل  في  ما  رووا  في  باب  من  لعنه  النبي  (ص) :

رووا واللفظ هنا لمسلم في صحيحه، باب من لعنه النبيّ : أنّ رسول اللّه (ص)

قال :

((اللّهم إنّي أتّخذ عندك عهدا لن تخلفنيه فإنّما أنا بشر فأيّ المؤمنين آذيته، شتمته، لعنته، جلدته، فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقرّبه بها إليك يوم القيامة)).

أشعر ـ وأنا أكتب هذا ـ بمثل طعن المدى في قلبي لعظم ما نسب إلى رسول اللّه (ص) ! ! يروون هذا الحديث في مقابل قول اللّه سبحانه وتعالى : ( وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم )، وينبغي دراسة هذا الحديث في الصنف الثامن من أنواع الكتمان :

(وضع الروايات المختلقة بدلا من الروايات الصحيحة)، فإنّها نسبت إلى رسول اللّه (ص) في مقابل ما تواتر عند جميع المسلمين من سيرة رسول اللّه الصحيحة في باب سموّ أخلاقه الكريمة، وإنّما رويت أمثال هذه الرواية عن رسول اللّه (ص) لكتمان ما مرّ بنا من رواية اُمّ المؤمنين عائشة أنّ رسول اللّه (ص) لعن الحكم بن أبي العاص والد الخليفة الاُموي مروان، وكتمان ما تواترت روايته عن رسول اللّه (ص) في حقّ الخليفة معاوية التي أوّلها ابن كثير إلى ما فيه مدح معاوية؛ وبما أنّا قد ناقشنا هذه الاحاديث في الجزء الثاني من كتاب (أحاديث اُمّ المؤمنين عائشة) والثالث من (قيام الائمة بإحياء السنّة)، فلا نعيد تلك البحوث في هذا الكتاب.

*          *          *

عود  على  بدء :

نعود إلى بحث تأويل معنى الرواية من أصناف الكتمان ونقول :

وكان من هذا الباب من التأويل وما يأتي بحثه(8) في خبر دءر سعد ابن أبي وقّاص حدّ شرب الخمر عن أبي محجن، وتمحّل ابن فتحون وابن حجر في تأويل قول سعد لابي محجن : (واللّه لا نجلدك على الخمر). وسيأتي في بحث نصّ رسول اللّه (ص) على أنّ عدد الائمة الخلفاء بعده اثنا عشر، كيف ارتبكوا في تأويله عندما رأوا أنّه لا يصدق على غير الائمة الاثني عشر من آل رسول اللّه

(ص) بما لم يرضَ به العالم الاخر ونقضه.

ومن هذا الباب من الكتمان ما فعله الطبراني بالحديث الاتي كما في

مجمع الزوائد(9):

(عن سلمان، قال : قلت : يا رسول اللّه، إنّ لكلّ نبيّ وصيّا، فمن وصيّك ؟ فسكت عنّي، فلمّا كان بعد رآني فقال : يا سلمان، فأسرعت إليه قلت : لبّيك، قال :

((تعلم من وصيّ موسى ؟)) قلت : نعم، يوشع بن نون، قال : ((لِمَ ؟)) قلت : لانّه كان أعلمهم يومئذ، قال : ((إنّ وصيّي وموضع سرّي وخير من أترك بعدي وينجز عدتي ويقضي ديني عليّ بن أبي طالب)). رواه الطبراني وقال : وصيّي : أنّه أوصاه بأهله لا بالخلافة).

انتهى ما نقله الهيثمي عن الطبراني في مجمع الزوائد.

 دراسة  للحديث  النبوي  الشريف  ونظرة  تأمّل  في  تأويل  الطبراني  إيّاه :

لمعرفة مدى صحّة تأويل الطبراني للحديث الشريف ندرس ثلاثة جوانب من الحديث : السائل، والسؤال، وحكمة النبيّ في الجواب.

السائل هو : سلمان الفارسي نسبا، ولم يكن من بني عبد المطلب أو أقرباء أزواج الرسول أو أصهاره ليعنيه من يخلفه الرسول على أهله وإنّما كان ممّن عاشر رهبان النصارى وعلماءهم قبل أن يسلم على يدي الرسول (ص)، وأخذ منهم علم الاُمم السابقة وأخبار أنبيائها وأوصيائها، ومن ثمّ قال للرسول (ص) :

(إنّ لكلّ نبيّ وصيّا فمن وصيّك ؟). فهو إذا يسأل عن وصيّ النبيّ على شريعته ووليّ عهده في اُمّته، ولم يقل له أنّ ربّ كلّ عائلة يعيّن وصيّا فمن وصيّك من بعدك ؟ ليفهم منه أنّه يسأل عن خليفته على أهله.

أمّا جواب النبيّ (ص) وتأخّره عن الاجابة فقد كان هذا شأن النبيّ (ص) في الاُمور المهمّة. ينتظر أمر السماء مثل انتظاره في المدينة أمر السماء في تحويل القبلة إلى الكعبة وهو يعلم أنّها قبلته، حتّى نزلت عليه : ( قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمأِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها) البقرة / 144. ولمّا كان رسول اللّه (ص) يعلم تنافس الانسان العربي على الامرة كما مرّ بنا بعض أخباره (10) في ما سبق، وكان المجتمع الاسلامي الصغير في المدينة الذي بدأ النبيّ (ص) بتأسيسه لا يتحمّل نشر خبر ولاية عهد الامام عليّ بعد النبيّ (ص)، تأخّر النبي (ص) في جواب سلمان، ولعلّه أجاب سلمان حين اُذن له بذلك، وعندئذ فاتح سلمان وأعدّه لاستماع الجواب بالسؤال منه عن وصيّ موسى وهو يعلم أنّ سلمان يعلم ذلك بما عنده من علماء أهل الكتاب، فلمّا أجابه بأنّ يوشع بن نون كان وصيّ موسى، سأله النبي (ص) وقال له : ((لِمَ ؟)) فلمّا قال سلمان في جوابه : (لانّه كان أعلمهم يومئذ) قال النبيّ (ص) : ((إنّ وصيّي و... عليّ بن أبي طالب)).

والحكمة في جواب النبيّ (ص) لسلمان بهذا الاُسلوب ما يأتي :

أوّلا : ضرب النبيّ (ص) المثل بيوشع بن نون لانّه كان أشهر أوصياء الانبياء، ولانّ موسى بن عمران (ع) كان قد استخلفه على اُمّته من بعده، فقاد بني إسرائيل ومارس الحروب، كما فعل الامام عليّ بعد النبيّ (ص) في مدّة حكمه.

ثانيا : سأل عن سبب كون يوشع وصيّا لموسى وأجاب سلمان أنّه كان أعلمهم.

بهذه المحاورة بيّن رسول اللّه (ص) أنّ عليّا وصيّه. ليس لكونه ابن عمّ الرسول (ص) أو لانّه دافع عن الاسلام في حروب النبيّ (ص) ببسالة فائقة، بل لانّه أعلمهم، أي أنّه كشف عن قابلية الامام عليّ للوصاية على الاسلام والمسلمين وأكّد ذلك بقوله (ص) : ((موضع سرّي وخير من أترك بعدي)). وهذا الكلام ـ‍ أيضا ـ أوّله الطبراني وقال : ((خير من أترك بعدي من أهل بيتي)). كان هذا تأويل الطبراني في حديث لم يجد فيه مغمزا من ضعف وما شاكله من القول.

 


 8  في بحث انتشار أحاديث سيف... في الصنف العاشر من أصناف الكتمان.

 9  مجمع الزوائد 9 / 113 ـ 114.

 10  في فصل مصطلحات بحث الامامة والخلافة.