ج  ـ  تأويل  معنى  الحديث  من  سنّة  الرسول  (ص) :

من أنواع الكتمان بمدرسة الخلفاء تأويل معنى الرواية كما فعل الذهبي(3) بترجمة النسائي صاحب السنن؛ فإنّه قال : سئل النسائي أن يخرج فضائل معاوية، قال : أي شي‌ء اُخرج ؟ ! حديث : اللّهم لا تشبع بطنه ؟

فقال الذهبي :

(قلت : لعلّ هذه منقبة لمعاوية لقول النبي (ص) : اللّهم من لعنته أو شتمته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة).

قال الذهبي (ت : 748 ه‍‍) : [ لعلّ... ]. وجاء بعده ابن كثير (ت : 774 ه‍‍)

وقال :

(وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه واُخراه).

وهذا نصّ كلامه(4) في الرواية التي جاءت في شأن معاوية، في صحيح مسلم، باب (مَن لعنه النبيّ أو سبّه، جعله اللّه له زكاة وطهورا) من كتاب البرّ والصلة، عن ابن عباس قال :

كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول اللّه (ص) فتواريت خلف باب، قال :

فجاء فخطاني خطاة وقال : ((إذهب وادعُ لي معاوية)). قال : فجئت فقلت :

هو يأكل. قال : ثمّ قال لي : ((إذهب فادعُ لي معاوية)). قال : فجئت فقلت : هو يأكل، فقال : ((لا أشبع اللّه بطنه))(5). كان هذا لفظ مسلم.

وأورد الحديث ابن كثير في تأريخه وزاد على كلام رسول اللّه (ص) بعد قوله ((اذهب وادع لي معاوية)) جملة : (وكان يكتب الوحي) وهذا لفظ ابن كثير :

(عن ابن عباس، قال : كنت ألعب مع الغلمان فإذا رسول اللّه (ص) قد جاء، فقلت : ما جاء إلاّ إليّ، فاختبأت على باب فجاءني فحطأني

حطأة أو حطأتين، ثمّ قال : إذهب فادعُ لي معاوية ـ وكان يكتب الوحي ـ قال :

فذهبت فدعوته له، فقيل : إنّه يأكل، فأتيت رسول اللّه (ص) فقلت : إنّه يأكل، فقال : إذهب فادعه، فأتيته الثانية فقيل : إنّه يأكل، فأخبرته، فقال في الثالثة : لا أشبع اللّه بطنه. قال : فما شبع بعدها. وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه واُخراه، أمّا في دنياه، فإنّه لمّا صار إلى الشام أميرا(6) كان يأكل في اليوم سبع مرّات يجاء بقصعة فيها لحم كثير وبصل فيأكل منها، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم، ومن الحلوى والفاكهة شيئا كثيرا، ويقول : واللّه ما أشبع وإنّما أعيا، وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كلّ الملوك. وأمّا في الاخرة فقد أتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الذي رواه البخاري وغيرهما من غير وجه عن جماعة من الصحابة، أنّ رسول اللّه (ص) قال :

اللّهم إنّما أنا بشر فأيّما عبد سببته أو جلدته أو دعوت عليه، وليس لذلك أهلا، فاجعل ذلك كفّارة وقربة تقرّبه بها عندك يوم القيامة. فركّب مسلم من الحديث الاوّل وهذا الحديث فضيلة لمعاوية، ولم يورد له غير ذلك)(7). انتهى كلام ابن كثير. وأراد بما قال أنّ دعاء الرسول على معاوية دعاء له في الدنيا والاخرة؛ أمّا في الدنيا فبما ذكره من مزيّة كثرة الاكل للملوك، وأمّا الاخرة فاعتمد الاحاديث التي نسبت إلى رسول اللّه (ص) أنّه كان يلعن المؤمنين ـ معاذ اللّه ـ‍ ودعا أن يكون لهم زكاة وطهورا، وأنّ مسلما حين أورد هذا الحديث في آخر هذا الباب أثبت لمعاوية رضوانا وتقرّبا إلى اللّه يوم القيامة.

وهكذا يؤوّلون الاحاديث والاخبار التي فيها ذمّ لذوي السلطة من

الخلفاء والولاة إلى ما فيه مدحهم والثناء عليهم.

ولنا هنا نظرة تأمّل في ما ورد أنّ النبيّ لعن المؤمنين ـ معاذ اللّه ـ.

 


 3  تذكرة الحفّاظ ص 698 ـ 701 .

 4  البداية والنهاية 8 / 119.

 5  صحيح مسلم، كتاب البرّ والصلة، ح 96، ص 2010.

وحطأني : ضربني باليد المبسوطة بين الكتفين. في تأريخ ابن كثير (خطاني) تصحيف.

 6  وهذه الاضافة إلى آخرها من كلام ابن كثير.

 7  البداية والنهاية 8 / 119.