أ ـ حذف بعض الحديث من سنّة الرسول
(ص) وتبديله بكلمة مبهمة:
من
أنواع الكتمان بمدرسة الخلفاء، حذف بعض الحديث من سنّة الرسول (ص) وتبديله بكلمة
مبهمة بدل ما حذف، مثل ما فعله الطبري وابن كثير بخبر دعوة بني هاشم في تفسير الاية
: ( وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الاقْرَبِين ) حيث حذفا قول رسول اللّه (ص) : ((ووصيّي
وخليفتي فيكم)) وأبدلاه بقولهما : [ وكذا وكذا ].
ومن هذا النوع من الكتمان ما فعله البخاري في صحيحه مع سيرة الصحابة في خبر عبد
الرحمن الذي مرّ بنا سابقا، حيث حذف قول عبد الرحمن لمروان وقال : [ فقال عبد
الرحمن شيئا ] بدّل كلام عبد الرحمن بقول مبهم وأضاف إلى ذلك حذف ما روته اُمّ
المؤمنين عائشة عن رسول اللّه (ص) من الحديث في حقّ الحَكَم والد الخليفة مروان.
ومن هذا النوع من الكتمان ـ أيضا ـ ما فعلوه بخبر استشارة رسول اللّه (ص) أصحابه في
شأن غزوة بدر وجواب أصحابه له :
فقد روى ابن هشام والطبري وقالا :
(وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش، فقام
أبو بكر الصدّيق فقال وأحسن. ثمّ قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثمّ قام المقداد بن
عمرو فقال : يا رسول اللّه إمضِ لما أمرك اللّه فنحن معك، واللّه لا نقول لك ما
قالت بنو إسرائيل لموسى : ( فَاذْهَبْ أنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إنَّا ها هُنا
قاعِدُون ) ولكن، اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون ـ إلى قوله ـ : فقال
رسول اللّه (ص) خيرا ودعا له).
وجاء في جواب سعد بن معاذ الانصاري قوله :
(فامضِ يا رسول اللّه (ص) لما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحقّ لو استعرضت بنا
هذا البحر لخضناه معك ما تخلّف منّا رجل... فسُرّ رسول اللّه (ص) بقول سعد ونشطه
ذلك).
ترى ماذا كان جواب الصحابيّين أبي بكر وعمر لرسول اللّه (ص) الذي حُذف من هذه
الرواية واُبدل بقول مبهم وهو : [ وأحسن ] ؟ ولو كان القول حسنا فلم حذف ذلك القول
الحسن ! ؟ بينا أثبت قول المقداد المهاجري وسعد بن معاذ الانصاري، نرجع إلى صحيح
مسلم فنجد في روايته :
إنّ رسول اللّه (ص) شاور أصحابه حين بلغه إقبال أبي سفيان قال:
(فتكلّم أبو بكر، فأعرض عنه. ثمّ تكلّم عمر فأعرض عنه... الحديث).
ترى لماذا أعرض الرسول (ص) عن الصحابيين، لو كان قولهما حسنا ؟ ونبحث عن قولهما لدى
الواقدي والمقريزي فنجدهما يقولان هكذا، واللفظ للاوّل:
(قال عمر : يا رسول اللّه إنّها واللّه قريش وعزّها، واللّه ما ذلّت منذ عزّت،
واللّه ما آمنت منذ كفرت، واللّه لا تسلّم عزّها أبدا، ولتقاتلنّك، فاتّهب لذلك
اُهبته وأعدّ لذلك عدّته...)(1).
عرفنا من رواية ابن هشام والطبري ومسلم أنّ الصحابي عمر تكلّم
بعد الصحابي أبي بكر، ووصف الطبري وابن هشام قول كلّ منهما بـ [ فأحسن ]
وفي رواية مسلم أنّ الرسول (ص) أعرض عن أبي بكر، ثمّ عن عمر، ومن ثمّ نعرف أنّ
قولهما كان أمرا واحدا، وعندما صرّح الواقدي والمقريزي بقول عمر وكتما قول أبي بكر،
كشف لنا قول عمر ـ أيضا ـ عن قول أبي بكر.
ولمّا كان قول الصحابيّين يسوء ذكره بعض الناس حُذف قولهما من رواية ابن هشام
والطبري ومسلم، ومن أجل هذا النوع من الكتمان، أصبحت هذه الكتب من أوثق الكتب
بمدرسة الخلفاء.
وأصبح صحيح البخاري الذي لم يذكر شيئا من هذا الخبر؛ مبهما وغير مبهم أكثر اشتهارا
بالصحّة والوثاقة من جميع الكتب.
*
*
*
إنّ الطبري وابن كثير أبدلا من حديث الرسول (ص) ((وصيّي وخليفتي)) بـ [كذا وكذا ]
لانّ هذا الخبر ينبّه العامة إلى حقّ الامام عليّ في الحكم، ولا يحسن انتشاره.
وأبدل البخاري قول عبد الرحمن بـ (شيئا)، لانّ قول عبد الرحمن كان يسوء الخلفاء :
معاوية ويزيد ومروان، وينبّه العامة على ما لا ينبغي أن يتنبّهوا إليه.
وأبدل قول أبي بكر وعمر في جواب رسول اللّه (ص) في كلّ من سيرة ابن هشام وتأريخ
الطبري، وحذف من رواية صحيح مسلم، لما فيه ما لا يزين الخليفتين أبا بكر وعمر،
وكلّهم حذف بعض الخبر وأبهم في القول.
وهذا النوع من الكتمان كثير عند علماء مدرسة الخلافة.
1
مرّ بنا ذكر مصادر الخبر في بحث مناقشة الاستدلال بالشورى بهذا الكتاب.