نتيجة البحث :

كرهت قريش أن تجتمع النبوّة والخلافة في بني هاشم فنهت من استطاعت أن تنهاه عن كتابة حديث الرسول (ص) في حياة الرسول (ص) كي لا يكتب نصّ عن الرسول (ص) يثبت حقّا في الخلافة لمن تكره أن يلي الحكم من بني هاشم بعد الرسول (ص). وأيضا لكي لا ينشر حديث من الرسول (ص) فيه منقصة لذوي أرومتهم من قريش تبعدهم عن الحكم وفضيلة لمنافسيهم من بني

هاشم خاصّة والانصار عامّة.

وللسبب نفسه منعت الرسول (ص) من كتابة وصيّته في آخر ساعة

من حياته، تلك الوصية التي قال عنها : لن تضلّوا بعدها أبدا. وخشية أن يكتب نصّا لمن يتولّى الحكم بعده من بني هاشم الذين كرهوا أن تجتمع فيهم النبوّة والخلافة، وللسبب نفسه سعى الصحابي عمر القرشي ومن معه من مهاجرة قريش في أخذ البيعة لابي بكر القرشي التيمي بعد وفاة الرسول (ص).

ولذلك ـ أيضا ـ أدلى أبو بكر بالخلافة إلى صاحبه عمر القرشي العدوي بواسطة عثمان القرشي(224).

وللسبب نفسه منع الخليفة عمر من كتابة حديث الرسول (ص) ونشره، وأحرق ما كتبه الصحابة منه وسجن منهم في المدينة من خالفه ونشر حديث الرسول (ص) في البلاد خارج المدينة(225).

وللسبب نفسه كان عمر إذا استعمل العمّال خرج معهم يشيّعهم فيقول... جرّدوا القرآن وأقلّوا الرواية عن محمد، وأنا شريككم(226).

وللسبب نفسه لم يُوَلّ الخليفتان أبو بكر وعمر أحدا من بني هاشم على جيش في الفتوح ولا على بلد مفتوح(227).

ولذلك ـ أيضا ـ دبّر الخليفة عمر تولية عثمان القرشي الامويّ على الحكم بواسطة عبد الرحمن بن عوف في الشورى القرشية(228).

وللسبب نفسه جرّد عثمان القرآن من حديث الرسول (ص) ونسخه في مصاحف ووزّعه على البلاد الاسلامية وأحرق ما عداها من مصاحف الصحابة التي دوّن فيها مع القرآن أحاديث الرسول (ص) في تفسير القرآن. وجلب الصحابي عبد اللّه بن مسعود من الكوفة إلى المدينة لمخالفته إيّاه في إحراق المصاحف وأمر بضربه وقطع عطاءه من بيت المال(229).

ونفى الصحابي أبا ذر من المدينة إلى الربذة لنشره حديث الرسول بين العباد وفي البلاد(230).

وأدلى بالخلافة إلى عبد الرحمن القرشي الزهري في وصيّته التي كتبها في مرضه بالرعاف(231).

وعندما توفّي عبد الرحمن في حياة عثمان وقتل عثمان ولم يتسنّ له

أن يولّي أحدا من قريش على الحكم عندئذ ملك المسلمون زمام أمرهم فتهافتوا على الامام علي (ع) يبايعونه يتقدّمهم سروات قريش من الصحابة بعد فقدهم زمام المبادرة، وبعد أربعة أشهر من ذلك لملمت قريش أطرافها وأقامت على الامام عليّ حرب الجمل بقيادة اُمّ المؤمنين عائشة وطلحة والزبير لعلّها تسلب الحكم من الامام عليّ (ع)(232)، وثنّت بإقامة حرب صفّين عليه للسبب نفسه

ولكي تتمكّن من إقامة الحربين عليه أشاعت بين المسلمين خارج المدينة بأنّ الامام قتل الخليفة عثمان واستولى على الحكم(233)؛ ولمّا كان المسلمون خارج المدينة يأخذون معالم دينهم وأخبار سيرة الرسول (ص) وسيرة أهل بيته وأصحابه ممّن يليهم من الصحابة، وولاتهم من رجالات قريش وحلفائها ومواليها، ولا يعلمون ما عدا القرآن من الاسلام وسيرة أهله غير ما يذيعه فيهم اُولئك الرجال، ولا يملكون سبيلا للمعرفة غير ذلك؛ فقد استطاعت قريش أن تشوّش على المسلمين رؤيتهم للامام علي (ع)، وزاد في الطين بلّة رفع جيش معاوية المصاحف عندما ضعفوا عن القتال في صفّين ودعوتهم الامام عليّا (ع) وجيشه إلى تحكيم القرآن ثمّ إلى تحكيم الحكمين، وعندما أصرّ القرّاء في جيش الامام عليّ (ع) ومن تبعهم على قبول التحكيم وخدع الصحابي عمرو ابن العاص القرشي الاموي الصحابي أبا موسى الاشعري في مقام الحكم ، وانتشر خبر الخدعة؛ كبر ذلك على جمع ممّن قبلوا التحكيم من قرّاء أهل الكوفة

فكفّروا عامّة المسلمين، وخرجوا على الامام علي (ع) وحاربوه في النهروان فقتلهم الامام علي (ع)، ثمّ اغتال أحدهم الامام في محرابه بمسجد الكوفة(234). إنّ كلّ ذلك شوّش على المسلمين خارج المدينة الرؤية الصحيحة للامام علي (ع) وسبّب قبولهم ما ينشر عن الامام علي (ع) خلافا للواقع والحقّ.

ومن جانب آخر تبدّل كره قريش أن يستولي على الحكم أحد من بني هاشم ـ والمقصود في هذه الكراهية استيلاء الامام علي على الحكم إذ لم يكن في بني هاشم مرشّحا للحكم غيره ـ ، تبدّل ذلك الكره في الحربين التي أقامتها قريش على الامام علي (ع) إلى الحقد والعداء على الامام علي (ع) وقام حكم قريش على المسلمين بعد ذلك على أساس الحقد والعداء للامام علي (ع)، وظهر ذلك جليّا في حكم بني اُميّة على المسلمين كما نشير إليه في ما يأتي :


224 راجع أخبارها ومصادرها في فصل الواقع التأريخي لقيام الخلافة من هذا الكتاب ص 151 فما بعدها.

225 راجع 2 / 44 ـ 45 من هذا الكتاب، فصل منع كتابة الحديث على عهد الخلفاء.

226 تأريخ الطبري 5 / 19، في ذكر سيرة عمر من حوادث سنة 30 ه.

227 راجع مروج الذهب للمسعودي 2 / 321 ـ 322، ويؤيّد ذلك أنّهم لم يولّوا أحدا من بني هاشم على عهد الخلفاء الثلاثة.

228 أشرنا إلى هذا الخبر قبيل هذا.

229 راجع بحث (على عهد عثمان) من (تأريخ القرآن) في كتابنا (القرآن الكريم وروايات المدرستين)، وراجع خبر ابن مسعود في كتاب (أحاديث اُمّ المؤمنين عائشة) فصل (على عهد

الصهرين).

230 راجع 2 / 46 من هذا الكتاب.

231 مضى ذكر مصدره.

232 راجع خبر الجمل في كتاب (أحاديث اُمّ المؤمنين عائشة) فصل (على عهد الصهرين).

233 راجع أخبار صفّين في تأريخ الطبري وابن الاثير وابن كثير.

234 راجع أخبار صفّين والنهروان في تأريخ الطبري وابن الاثير وابن كثير وغيرها.