أ ـ مثال ممّا جرى على آل الرسول (ص) على عهد المنصور :
روى أبو الفرج أنّ المنصور قال لمحمد بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن ابن علي بن أبي طالب :
أنت الديباج الاصفر ؟
قال : نعم.
قال : أما واللّه لاقتلنّك قتلة ما قتلتها أحدا من أهل بيتك.
ثمّ أمر باُسطوانة ففرّغت ثمّ اُدخل فيها فبنيت عليه وهو حيّ(219).
ب ـ بعض ما جرى على آل الرسول على عهد المتوكّل:
روى الطبري في ذكر حوادث سنة (236 هـ)، وقال :
وفيها أمر المتوكّل بهدم قبر الحسين بن عليّ وهدم ما حوله من المنازل والدور وأن يحرث ويبذر ويسقى موضع قبره وأن يمنع الناس من إتيانه. فذكر أنّ عامل صاحب الشرطة نادى في الناحية : من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة بعثنا به إلى المطبق، فهرب الناس وامتنعوا من المصير إليه وحرث ذلك الموضع وزرع ما حواليه(220).
وقال ابن الاثير في ذكر حوادث سنة (236 هـ) من تأريخه :
في هذه السنة أمر المتوكّل بهدم قبر الحسين بن علي (ع) وهدم ما حوله من المنازل والدور وأن يبذر ويسقى موضع قبره وأن يمنع الناس من إتيانه. فنادى بالناس في تلك الناحية : من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة حبسناه في المطبق، فهرب الناس وتركوا زيارته وخرب وزرع. وكان المتوكّل شديد البغض لعليّ بن أبي طالب (ع) ولاهل بيته. وكان يقصد من يبلغه عنه أنّه يتولّى عليّا وأهله بأخذ المال والدم. وكان من جملة ندمائه عبادة المخنّث وكان يشدّ على بطنه تحت ثيابه مخدّة ويكشف رأسه وهو أصلع ويرقص بين يدي المتوكّل والمغنّون يغنّون : قد أقبل الاصلع البطين، خليفة المسلمين، يحكي بذلك عليّا (ع)، والمتوكّل يشرب ويضحك. ففعل ذلك يوما والمنتصر حاضر، فأومأ إلى عبادة يتهدّده فسكت خوفا منه، فقال المتوكّل : ما حالك ؟ فقام وأخبره، فقال المنتصر : يا أمير المؤمنين إنّ الذي يحكيه هذا الكلب ويضحك منه الناس هو ابن عمّك وشيخ أهل بيتك وبه فخرك فكلْ أنت لحمه إذا شئت، ولا تطعم هذا الكلب وأمثاله منه، فقال المتوكّل للمغنّين : غنّوا جميعا :
غار الفتى لابن عمّه
رأس الفتى في حر اُمّه
فكان هذا من الاسباب التي استحلّ بها المنتصر قتل المتوكّل(221).
وقال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين(222) :
وبعث برجل من أصحابه يقال له الديزج ـ وكان يهوديا فأسلم ـ إلى قبر الحسين، وأمره بكرب قبره ومحوه وإخراب كلّ ما حوله، فمضى لذلك وخرّب ما حوله وهدم البناء وكرب ما حوله نحو مائتي جريب، فلمّا بلغ إلى قبره لم يتقدّم إليه أحد، فأحضر قوما من اليهود فكربوه، وأجرى الماء حوله، ووكّل به مسالح، بين كلّ مسلحتين ميل، لا يزوره زائر إلاّ أخذوه ووجّهوا به إليه.
وروى عن محمد بن الحسين الاشناني أنّه قال :
بعُد عهدي بالزيارة في تلك الايّام خوفا، ثمّ عملت على المخاطرة بنفسي فيها، وساعدني رجل من العطارين على ذلك، فخرجنا زائرين، نكمن النهار ونسير الليل، حتّى أتينا نواحي الغاضرية، وخرجنا منها نصف الليل فسرنا بين مسلحتين وقد ناموا حتّى أتينا القبر فخفي علينا، وجعلنا نشمّه ونتحرّى جهته حتّى أتيناه، وقد قلع الصندوق الذي كان حواليه واُحرق، واُجري الماء عليه فانخسف موضع اللبن وصار كالخندق، فزرناه فأكببنا عليه فشممنا منه رائحة ما شممت مثلها قطّ كشيء من الطيب، فقلت للعطّار الذي كان معي: أي رائحة هذه ؟ فقال : لا واللّه ما شممت مثلها كشيء من العطر. فودّعناه وجعلنا حول القبر علامات في عدّة مواضع.
فلمّا قتل المتوكّل اجتمعنا مع جماعة من الطالبيين والشيعة حتّى صرنا إلى القبر فأخرجنا تلك العلامات وأعدناه إلى ما كان عليه.
وقال ـ أيضا ـ :
واستعمل على المدينة ومكّة عمر بن الفرج الرخجي فمنع آل أبي طالب من التعرّض لمسألة الناس، ومنع الناس من البرّ بهم، وكان لا يبلغه أنّ أحدا أبرّ أحدا منهم بشيء وإن قلّ إلاّ أنهكه عقوبة، وأثقله غرما، حتّى كان القميص يكون بين جماعة من العلويات يصلّين فيه واحدة بعد واحدة، ثمّ يرقعنه ويجلسن على مغازلهنّ عواري حواسر، إلى أن قُتل المتوكّل، فعطف المنتصر عليهم وأحسن إليهم، ووجّه بمال فرقه فيهم، وكان يؤثر مخالفة أبيه في جميع أحواله ومضادّة مذهبه طعنا عليه ونصرة لفعله(223).
كانت تلكم بعض آثار سياسة الخلافة القرشية على آل الرسول مدى القرون.
وسوف ندرس آثارا اُخرى لها بعد إيراد نتيجة البحث الاتية بحوله تعالى.
219 الطبري 9 / 198.
ومقاتل الطالبيين ص 200.
والديباج من الثياب ما كان من الحرير، وديباجة الوجه
حسن بشرته.
والمنصور أبو جعفر عبد اللّه بن محمد بن علي ثاني
الخلفاء العباسيين (ت : 158 هـ).
220 الطبري 3 / 1407
في ذكر حوادث سنة ست وثلاثين ومائتين، والمتوكّل على اللّه جعفر ابن
المعتصم بن هارون الرشيد. ولي الخلافة سنة 232 وقتل سنة 247 ه.
والمطبق : سجنه الرهيب.
221 الكامل في التأريخ
لابن الاثير، ط. مصر الاُولى 7 / 18.
222 مقاتل الطالبيين ص
598 ـ 599.
223 مقاتل الطالبيين ص
599.