سياسة  الخلافة  القرشية  وسائر  بني  اُميّة :

أ  ـ  على  عهد  معاوية :

ذكر الجاحظ بإيجاز سياسة الخلافة القرشية على عهد معاوية كما رواه ابن أبي الحديد وقال :

قال أبو عثمان الجاحظ : إنّ معاوية أمر الناس بالعراق والشام وغيرهما بسبّ علي (ع) والبراءة منه.

وخطب بذلك على منابر الاسلام، وصار ذلك سنّة في أيام بني اُميّة إلى أن قام عمر بن عبد العزيز (رض) فأزاله.

وذكر شيخنا أبو عثمان الجاحظ أنّ معاوية كان يقول في آخر خطبة الجمعة :

اللّهم إنّ أبا تراب ألحد في دينك، وصدّ عن سبيلك، فالعنه لعنا وبيلا، وعذّبه عذابا أليما. وكتب بذلك إلى الافاق، فكانت هذه الكلمات يُشار بها على المنابر إلى خلافة عمر بن عبد العزيز(155).

روى الطبري(156) وقال : استعمل معاوية المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة إحدى وأربعين، فلمّا أمّره عليها دعاه، وقال له : قد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة أنا تاركها اعتمادا على بصرك، ولست تاركا إيصاءك بخصلة، لا تترك شتم عليّ وذمّه، والترحّم على عثمان والاستغفار له، والعيب لاصحاب علي، والاقصاء لهم، والاطراء لشيعة عثمان، والادناء لهم. فقال له المغيرة :

قد جُرّبت وجَرّبت وعملت قبلك لغيرك، فلم يذممني، وستبلو فتَحمَدُ أو تَذمّ، فقال : بل نحمد إن شاء اللّه.

وروى ابن أبي الحديد عن المدائني في كتاب الاحداث وقال :

كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة : أن برئت الذمّة ممّن روى شيئا من فضل أبي تراب، وأهل بيته،... وكان أشدّ الناس بلاءً حينئذ أهل الكوفة(157).

وقال : كتب معاوية(158) إلى عماله في جميع الافاق : ألاّ يجيزوا لاحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة، وكتب إليهم أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبّيه، وأهل ولايته، والذين يروون فضائله ومناقبه، فادنوا مجالسهم، وقرّبوهم وأكرموهم، واكتبوا إليّ بكلّ ما يروي كلّ رجل منهم، واسمه، واسم أبيه، وعشيرته، ففعلوا ذلك حتّى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه، لما كان يبعث إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطايع، ويفضيه في العرب منهم

والموالي، فكثر ذلك في كلّ مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجي‌ء أحد مردود من الناس عاملا من عمّال معاوية، فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلاّ كتب اسمه، وقرّبه وشفّعه، فلبثوا بذلك حينا، ثمّ كتب إلى عمّاله أنّ الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كلّ مصر، وفي كلّ وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الاوّلين، ولا تتركوا خبرا يرويه أحدٌ من المسلمين في أبي تراب إلاّ وأتوني بمناقض له في الصحابة فإنّ هذا أحبّ إليّ وأقرّ إلى عيني، وأدحض لحجّة أبي تراب وشيعته، وأشدّ عليهم من مناقب عثمان، وفضله، فقُرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجرى الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتّى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، واُلقي إلى معلّمي الكتاتيب فعلّموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع، حتّى رووه، وتعلّموه كما يتعلّمون القرآن، وحتّى علّموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم، فلبثوا بذلك إلى ما شاء اللّه...

فظهرت أحاديث كثيرة موضوعة، وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة... الحديث(159).

وقد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه ، وهو من أكابر المحدّثين وأعلامهم، في تأريخه ما يناسب هذا الخبر وقال : ((إنّ أكثر الاحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني اُمية تقرّبا إليهم بما يظنّون أنّهم يرغمون به اُنوف بني هاشم))(160).

وروى ابن أبي الحديد(161) عن أبي جعفر الاسكافي وقال : ((إنّ معاوية وضع قوما من الصحابة وقوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في عليّ (ع) تقتضي الطعن فيه، والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جُعلا يُرغب في مثله)).

وروى في هذا الصدد عن الصحابة عن عمرو بن العاص، الحديث الذي أخرجه البخاري(162) ومسلم في صحيحيهما مسندا متّصلا بعمرو بن العاص، قال :

سمعت رسول اللّه يقول جهارا غير سرّ(163) : ((إنّ آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء، إنّما وليّي اللّه وصالح المؤمنين)).

وفي البخاري بعده بطريق آخر عنه : (ولكن لهم رحما أبلّها ببلالها) ـ يعني أصلها بصلتها ـ انتهى.

كانت تلكم رواية ابن أبي الحديد عن صحيح البخاري وفي طبعات البخاري في عصرنا بدّل لفظ (آل أبي طالب) بـ : (آل أبي فلان).

وروى الطبري أنّ المغيرة بن شعبة، أقام سبع سنين وأشهرا في الكوفة لا يدع شتم عليّ والوقوع فيه، والعيب لقتلة عثمان واللعن لهم، والدعاء لعثمان بالرحمة والاستغفار له والتزكية لاصحابه(164)، غير أنّ المغيرة كان يداري، فيشتدّ مرّة، ويلين اُخرى.

وروى الطبري : أنّ المغيرة بن شعبة قال لصعصعة بن صوحان العبدي وكان المغيرة يومذاك أميرا على الكوفة من قبل معاوية : ((إياك أن يبلغني عنك أنّك تعيب عثمان عند أحد من الناس، وإياك أن يبلغني عنك أنّك تذكر شيئا من فضل عليّ علانية، فإنّك لست بذاكر من فضل عليّ شيئا أجهله، بل أنا أعلم بذلك، ولكنّ هذا السلطان قد ظهر، وقد أخذنا بإظهار عيبه للناس، فنحن ندع كثيرا ممّا أمرنا به، ونذكر الشي‌ء الذي لا نجد منه بدّا ندفع به هؤلاء القوم عن أنفسنا تقيّة، فإن كنت ذاكرا فضله، فاذكره بينك وبين أصحابك، وفي منازلكم سرّا، وأمّا علانية في المسجد، فإنّ هذا لا يحتمله الخليفة لنا ولا يعذرنا به...))(165) الحديث.

وقال اليعقوبي(166) ما موجزه :

وكان حجر بن عدي الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي وأصحابهما من شيعة علي بن أبي طالب، إذا سمعوا المغيرة وغيره من أصحاب معاوية، وهم يلعنون عليا على المنبر، يقومون فيردّون عليهم، ويتكلّمون في ذلك.

فلمّا قدم زياد الكوفة وجّه صاحب شرطه إليهم، فأخذ جماعة منهم فقتلوا، وهرب عمرو بن الحمق الخزاعي إلى الموصل وعدّة معه، وأخذ زياد حجر بن عدي الكندي وثلاثة عشر رجلا من أصحابه فأشخصهم إلى معاوية فكتب فيهم أنّهم خالفوا الجماعة في لعن أبي تراب، وزَرَوا على الولاة، فخرجوا بذلك من الطاعة، وأنفذ شهادات قوم. فلمّا صاروا بمرج عذراء من دمشق على أميال،

أمر معاوية بإيقافهم هناك، ثمّ وجّه إليهم من يضرب أعناقهم، فكلّمه قوم في ستّة منهم فأخلى سبيلهم، وأمر أن يعرض على الباقي البراءة من علي واللعن له فقالوا : إن فعلتم تركناكم وإن أبيتم قتلناكم، فابرأوا منه نخلِّ سبيلكم ! قالوا : اللّهم لسنا فاعلي ذلك !

فحفروا لهم قبورهم واُدنيت أكفانهم، فقاموا الليل كلّه يصلّون، فلمّا أصبحوا عرضوا عليهم البراءة من علي فقالوا : نتولاّه ونتبرّأ ممّن تبرّأ منه. فأخذ كلّ رجل منهم رجلا ليقتله فقال حجر دعوني أتوضّأ واُصلّي. فلمّا أتمّ صلاته قتلوه وأقبلوا يقتلونهم واحدا واحدا حتّى قتلوا ستة مع حجر، فلمّا بلغوا عبد الرحمن بن حسان العنزي وكريم بن العفيف الخثعمي قالا : ابعثوا بنا إلى أمير المؤمنين فنحن

نقول في هذا الرجل مقالته. فبعثوا بهما إلى معاوية فلمّا دخلا عليه قال معاوية للخثعمي : ما تقول في عليّ ؟ قال : أقول فيه قولك ! قال أتبرأ من دين علي ؟

فسكت، فقام ابن عمّ له فاستوهبه من معاوية فحبسه شهرا ثمّ خلّى سبيله على أن يذهب إلى الكوفة. أمّا العنزي فقد قال له : يا أخا ربيعة ! ما قولك في عليّ ؟

قال : أشهد أنّه كان من الذاكرين اللّه كثيرا ومن الامرين بالحقّ والقائمين بالقسط‍ والعافين عن الناس. قال : فما قولك في عثمان ؟ قال : هو أوّل من فتح باب الظلم وأرتج أبواب الحقّ. قال : قتلت نفسك. قال : بل إيّاك قتلت، فبعث به معاوية إلى زياد وكتب إليه : أمّا بعد، فإنّ هذا العنزي شرّ من بعثت، فعاقبه عقوبته التي هو أهلها واقتله شرّ قتلة. فلمّا قدم به على زياد بعث زياد به إلى قسّ الناطف فدفن به حيّا(167).

ومن قصص زياد بن أبيه في هذه المعركة أيضا ما وقع بينه وبين صيفي ابن فسيل، فإنّه أمر فجي‌ء به إليه، فقال له : يا عدوّ اللّه ! ما تقول في أبي تراب ؟ قال : ما أعرف أبا تراب؛ قال : ما أعرفك به ! قال : ما أعرفه، قال : أما تعرف عليّ بن أبي طالب ؟ ! قال : بلى، فذاك، ـ وبعد محاورة بينهما ـ قال : علَيّ بالعصا،

فقال : ما قولك في عليّ ؟ قال : أحسن قول أنا قائله في عبد من عبيد اللّه أقوله في أمير المؤمنين، قال : اضربوا عاتقه بالعصا حتّى يلصق بالارض؛ فضرب حتّى اُلصق بالارض؛ ثمّ قال : اقلعوا عنه، فتركوه، فقال له : إيه ما قولك في عليّ ؟ قال :

واللّه لو شرطتني بالمواسي والمُدى ما قلت إلاّ ما سمعت منّي، قال : لَتَلعننّه أو لاضربنّ عنقك، قال : إذا واللّه تضربها قبل ذلك، فأسعد وتشقى، قال : ادفعوا في رقبته، ثمّ قال : أوقروه حديدا واطرحوه في السجن، ثمّ قتل مع حجر(168).

وكتب إلى معاوية في رجلين حضرميّين(169) أنّهما على دين عليّ ورأيه، فأجابه :

من كان على دين عليّ ورأيه فاقتله، ومثّل به، فصلبهما على باب دارهما بالكوفة(170).

كما أمره بدفن الخثعمي الذي مدح عليّا وعاب عثمان حيّا، فدفنه حيّا(171).

وختم حياته بما ذكره المسعودي، وابن عساكر، قال ابن عساكر :

جمع أهل الكوفة فملا منهم المسجد والرحبة والقصر، ليعرضهم على البراءة من عليّ(172). وقال المسعودي : وكان زياد جمع الناس بالكوفة بباب قصره يحرّضهم على لعن عليّ، فمَن أبى ذلك عرضه على السيف، ثمّ ذكر أنّه اُصيب بالطاعون في تلك الساعة فأفرج عنهم.

وكان عمرو بن الحمق الخزاعي ممّن أصابه التشريد والقتل في هذه المعركة، فإنّه فرّ إلى البراري، فبحثوا عنه حتّى عثروا عليه، فحزّوا رأسه وحملوه إلى معاوية، فأمر بنصبه في السوق ثمّ بعث برأسه إلى زوجته في السجن ـ وكان قد سجنها في هذا السبيل ـ فاُلقي في حجرها(173).

عمّت هذه السياسة بالبلاد الاسلامية، واتّبعها ونفّذها غير من ذكرنا من الاُمراء أيضا، كبسر بن أرطأة في ولايته البصرة، وابن شهاب في الريّ(174) فقد كانت لهم قصص في ذلك ذكرها المؤرّخون، ثمّ أصبحت هذه سياسة بني اُميّة التقليدية، ولُعن علي بن أبي طالب على منابر الشرق والغرب ما عدا سجستان، فإنّه لم يُلعن على منبرها إلاّ مرّة، وامتنعوا على بني اُميّة، حتّى زادوا في عهدهم أن

لا يُلعن على منبرهم أحد في حين كان يلعن على منابر الحرمين مكة والمدينة(175).

وقد كانوا يلعنون عليّا على المنابر بمحضر من أهل بيته، وقصصهم في ذلك كثيرة نكتفي منها بذكر واحدة أوردها ابن حجر(176) في تطهير اللسان، وقال :

(إنّ عمرا صعد المنبر فوقع في عليّ، ثمّ فعل مثله المغيرة بن شعبة، فقيل للحسن : إصعد المنبر لتردّ عليهما، فامتنع إلاّ أن يعطوه عهدا أنّهم يصدّقوه إن قال حقّا، ويكذبوه (177) إن قال باطلا، فأعطوه ذلك، فصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثمّ قال : اُنشدك اللّه يا عمرو ! يا مغيرة ! أتعلمان أنّ رسول اللّه (ص)  لعن السائق والقائد أحدهما فلان ؟ قالا : بلى، ثمّ قال : يا معاوية ! ويا مغيرة ! ألم تعلما أنّ النبيّ (ص) لعن عمرا بكلّ قافية قالها لعنة ؟ قالا : اللّهم بلى...) الحديث.

ولمّا كان الناس لا يجلسون لاستماع خطبهم لما فيها من أحاديث لا يرتضونها، خالفوا السنّة وقدّموا الخطبة على الصلاة، قال ابن حزم في المحلّى(178) :

أحدث بنو اُميّة تقديم الخطبة على الصلاة، واعتلّوا بأنّ الناس كانوا إذا صلّوا تركوهم، ولم يشهدوا الخطبة، وذلك لانّهم كانوا يلعنون علي بن أبي طالب (رض) فكان المسلمون يفرّون، وحقّ لهم ذلك.

وقال اليعقوبي في تأريخه (2 / 223) :

وفي هذه السنة ـ سنة 44 ه‍‍ ـ عمل معاوية المقصورة في المسجد وأخرج المنابر إلى المصلّى في العيدين وخطب الخطبة قبل الصلاة، وذلك أنّ الناس إذا صلّوا، انصرفوا لئلاّ يسمعوا لعن علي فقدّم معاوية الخطبة قبل الصلاة، ووهب فدكا لمروان بن الحكم ليغيظ بذلك آل رسول اللّه (ص).

وفي الصحيحين(179) وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال :

خرجت مع مروان وهو أمير المدينة ـ في أضحى أو فطر ـ فلمّا أتينا المصلّى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلّي، فجبذت بثوبه، فجبذني، فارتفع، فخطب قبل الصلاة، فقلت له : غيّرتم واللّه. فقال : يا أبا سعيد ! قد ذهب ما تعلم. فقلت : ما أعلم واللّه خيرٌ ممّا لا أعلم، فقال : إنّ الناس لم يكونوا يجلسون لما بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة.

وكانوا لا يكتفون بذلك، بل يأمرون الصحابة به أيضا، ففي صحيح مسلم(180)

وغيره عن سهل بن سعد : قال :

((استعمل على المدينة رجل من آل مروان، فدعا سهل بن سعيد فأمره أن يشتم عليّا، فأبى سهل، فقال له : أمّا إذا أبيت فقل : لعن اللّه أبا التراب، فقال سهل : ما كان لعليّ إسمٌ أحبّ إليه من أبي التراب، وإن كان ليفرح إذا دُعي به، فقال له :

أخبرنا عن قصّته، لِمَ سُمّي أبا تراب ؟ قال : جاء رسول اللّه (ص) بيت فاطمة، فلم يجد عليّا في البيت، فقال : أين ابن عمّك ؟)).

إلى قوله :

((هو في المسجد راقد، فجاءه وهو مضطجع، وقد سقط رداؤه عن شِقّه، فجعل رسول اللّه (ص) يمسحه عنه، ويقول : قم أبا التراب، قم أبا التراب)).

وعن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، قال : ((أمر معاوية سعدا فقال : ما منعك

أن تسبّ أبا التراب ؟ فقال : أمّا ما ذكرت ثلاثا قالهنّ له رسول اللّه (ص) فلن أسبّه، لان تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النعم.

سمعت رسول اللّه (ص) يقول له وقد خلّفه في بعض مغازيه، فقال له عليّ : يا رسول اللّه ! خلّفتني مع النساء والصبيان ؟ فقال له رسول اللّه (ص) : أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبوّة بعدي، وسمعته يقول يوم خيبر : لاُعطينّ الراية رجلا يحبّ اللّه ورسوله ويحبّه اللّه ورسوله؛ قال :

فتطاولنا لها، فقال : اُدعوا لي عليّا فاُتي به أرمد، فبصق في عينه، ودفع الراية إليه، ففتح اللّه عليه، ولمّا نزلت هذه الاية : ( فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَ‌نا وَأبْناءَ‌كُمْ ) دعا رسول اللّه (ص) عليا وفاطمة، وحسنا، وحسينا، فقال : اللّهم ! هؤلاء أهلي))(181).

ورواه المسعودي(182) عن الطبري هكذا : قال :

((لمّا حجّ معاوية طاف بالبيت ومعه سعد، فلمّا فرغ انصرف معاوية إلى دار الندوة، فأجلسه معه على سريره، ووقع في عليّ، وشرع في سبّه، فزحف سعد، ثمّ قال : أجلستني معك على سريرك، ثمّ شرعت في سبّ عليّ ؟ ! واللّه لان يكون فيّ

خصلة واحدة من خصال عليّ أحبّ إليّ، ثمّ ساق الحديث باختلاف يسير وذكر في آخره أنّه قال : وأيم اللّه لا دخلت لك دارا ما بقيت، ثمّ نهض)).

أمّا ابن عبد ربّه فقد ذكره باختصار في أخبار معاوية من العقد الفريد وقال(183) :

((ولمّا مات الحسن بن علي حجّ معاوية، فدخل المدينة، وأراد أن يلعن عليّا على منبر رسول اللّه (ص) فقيل له : إنّ ها هنا سعد بن أبي وقّاص، ولا نراه يرضى بهذا، فابعث إليه وخذ رأيه، فأرسل إليه وذكر له ذلك، فقال : إن فعلت لاخرجنّ من المسجد، ثمّ لا أعود إليه، فأمسك معاوية عن لعنه حتّى مات سعد، فلمّا مات لعنه على المنبر، وكتب إلى عمّاله أن يلعنوه على المنابر، ففعلوا، فكتبت اُمّ سلمة زوج النبيّ (ص) إلى معاوية : إنّكم تلعنون اللّه ورسوله على منابركم، وذلك أنّكم تلعنون عليّ بن أبي طالب، ومَن أحبّه، وأنا اُشهد اللّه أنّ اللّه أحبّه، ورسوله، فلم يلتفت إلى كلامها)) انتهى(184).

وقال ابن أبي الحديد :

ورى أبو عثمان ـ الجاحظ ـ أيضا أنّ قوما من بني اُميّة قالوا لمعاوية :

يا أمير المؤمنين ! إنّك قد بلغت ما أملت، فلو كففت عن لعن هذا الرجل ! فقال :

لا واللّه حتّى يربو عليه الصغير، ويهرم عليه الكبير، ولا يذكر له ذاكر فضلا !(185).

 


155  شرح الخطبة السابعة والخمسين من خطب نهج البلاغة في شرح ابن أبي الحديد، ط. الاُولى، فصل في ما روي من سبّ معاوية وحزبه لعلي 1 / 356، وطبعة دار إحياء
الكتب العربية بمصر سنة 1387، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم 4 / 56. وهو مصدر ما نرويه
عن شرح ابن أبي الحديد في ما يأتي.
وأبو عثمان الجاحظ هو عمرو بن بحر الليثي البصري اللغوي النحوي، توفي سنة 255 ه‍ في البصرة وكان مائلا إلى النصب، ومن كتبه (العثمانية) التي نقض عليه أبو جعفر الاسكافي
محمد بن عبد اللّه (ت : 240 ه‍‍) والشيخ المفيد (ت : 413 ه‍‍).
156  في حوادث سنة إحدى وخمسين من الطبري، ط. اوربا 2 / 112 ـ 113، و ط.

الاُولى 6 / 108، و ط. دار المعارف القاهرة 5 / 253 ـ 254. وابن الاثير 3 / 202.
157  شرح الخطبة (208) من نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ط. مصر الاُولى 3 / 15 ـ‍ 16. ومنه ننقل كلّ ما ننقل من شرح ابن أبي الحديد.
158  قد نقل كتاب معاوية هذا أيضا أحمد أمين في فجر الاسلام ص 275.
159  في شرح ((من كلام له، وقد سأله سائل عن أحاديث البدعة)) من شرح النهج 3 / 15 ـ 16، أورد ابن أبي الحديد الروايتين المرويتين عن (المدائني). وهو أبو الحسن علي بن محمد بن عبد اللّه (ت : 315 ه‍‍) ذكر له النديم في الاحداث 25 كتابا (الفهرست ص 115).
160  المصدر السابق؛ و ص 213 من فجر الاسلام.
ونفطويه هو إبراهيم بن محمد بن عرفة الازدي قال في ترجمته بتأريخ بغداد : كان صدوقا له مصنّفات كثيرة؛ وقال المسعودي في ذكر المؤرخين وأصحاب الاخبار في أوّل كتابه مروج الذهب 1 / 23 : وكذلك تأريخ أبي عبد اللّه الملقّب بنفطويه فمحشوّ من ملاحة كتب الخاصّة مملوء من فوائد السادة وكان أحسن أهل عصره تأليفا وأملحهم تصنيفا وذكر أسماء مؤلفاته في هدية العارفين ص 5 وقال (ت : 323 ه‍‍).
161  شرح النهج، ط. مصر الاُولى 1 / 358. والاسكافي نسبة إلى الاسكاف من نواحي النهروان بين بغداد وواسط. وأبو جعفر الاسكافي في مادة الاسكاف من معجم البلدان عداده في أهل بغداد أحد المتكلمين من المعتزلة (ت : 204 ه‍‍) وقال ابن حجر في ترجمته :
محمد بن عبد اللّه الاسكافي؛ من متكلّمي المعتزلة وأحد أئمتهم؛ وإليه تنسب الطائفة الاسكافية منهم؛ وهو بغدادي أصله من سمرقند، قال ابن النديم : كان عجيب الشأن في العلم والذكاء والصيانة ونبل الهمّة والنزاهة، بلغ في مقدار عمره ما لم يبلغه أحد؛ وكان المعتصم يعظمه. وله مناظرات مع الكرابيسي وغيره. توفي سنة 240، لسان الميزان 5 / 221.
162  قد ذكر البخاري هذا الحديث في صحيحه 4 / 34، كتاب الادب، باب يبل الرحم ببلالها بطريقين عن ابن العاص. وفي ط. البخاري كنّى عن آل أبي طالب بآل أبي فلان.
163  هذه الزيادة في رواية البخاري الثانية عن ابن العاص وكنّى ـ أيضا ـ وقال آل أبي فلان. ومسلم 1 / 136 كتاب الايمان، باب موالاة المؤمنين ومقاطعة غيرهم.
164  الطبري، ط. اوربا 2 / 112.
165  الطبري ، ط . اوربا 2 / 38 .
166  اليعقوبي 2 / 230 ـ 231.
167  أوردناها موجزة من عبد اللّه بن سبأ 2 / 268 ـ 292، ط. نشر توحيد 1413 ه‍‍ .
وفي ترجمة حجر من تأريخ دمشق لابن عساكر وتهذيبه تفصيل الخبر.
168  الطبري 6 / 108 و 149. وابن الاثير 3 / 204. والاغاني 16 / 7. وابن عساكر 6 / 459.
169  نسبة إلى حضرموت من بلاد اليمن.
170  المحبر ص 479.
171  راجع قصة حجر بن عدي في عبد اللّه بن سبأ.
172  المسعودي في أيام معاوية 3 / 30. وابن عساكر 5 / 421.
173  المعارف لابن قتيبة 7 / 12. والاستيعاب 2 / 517. والاصابة 2 / 526. وتأريخ
ابن كثير 8 / 48. والمحبر ص 490.

174 في حوادث سنة 41 هـ من الطبري 96/6. وابن الاثير 165/3. وابن شهاب في ابن حوادث) ن م الكوفة على المغيرة استعمال ذكر في 971/3 الاثير سنة احدى واربعين ).
175  أوردتها ملخّصة من معجم البلدان 5 / 38، ط. المصرية الاُولى في لغة سجستان، وهي من بلاد إيران.

176  في تطهير اللسان ص 55، قال : وجاء بسند رجاله رجال الصحيح إلاّ واحدا فمختلف فيه، لكن قوّاه الذهبي بقوله : إنّه أحد الاثبات، وما فيه جرح أصلا، ثمّ أورد الحديث.
177  كذا جاءت في الاصل، والصحيح : يصدّقونه... ويكذّبونه.
178  المحلّى لابن حزم، تحقيق أحمد محمد شاكر 5 / 85 ـ 86. وراجع كتاب الاُمّ للشافعي 1 / 208.
179  البخاري 2 / 11. ومسلم 3 / 20. وسنن أبي داود 1 / 178. وابن ماجة 1 / 386. والبيهقي 3 / 297. وفي مسند أحمد 3 / 10، 20، 52، 54 و 92، واسم المعترض على مروان في مسند أحمد غير أبي سعيد.

180  أوردته ملخّصا عن صحيح مسلم 7 / 124 باب مناقب علي . وأورده البخاري محرّفا في  صحيحه باب مناقب علي ، وفي باب نوم الرجل في المسجد من كتاب الصلاة 2 / 199 . وفي إرشاد الساري 6 / 112  : أنّ هذا الوالي هو مروان بن الحكم . وراجع البيهقي 2 / 446 .
181  مسلم 7 / 120. والترمذي 13 / 171. والمستدرك 3 / 108 و 109، وزاد : فلا واللّه ما ذكره معاوية بحرف حتّى خرج من المدينة. والاصابة 2 / 509. والنسائي في الخصائص ص 15.
182  مروج الذهب 3 / 34 في أيام معاوية، ثمّ ذكر ما صدر عن معاوية في المجلس ممّا أربأ بقلمي عن ذكره.
183  العقد 3 / 127.
184  نقلته باختصار من كتاب (أحاديث اُمّ المؤمنين عائشة)، بحث دواعي وضع الحديث من فصل (مع معاوية)، ط. بيروت سنة 1405 ه‍‍ ، ص 389.
185  شرح الخطبة (57) من شرح ابن أبي الحديد لنهج البلاغة.