موقفان  مختلفان  تجاه  الامام  علي  (ع) :

بعد وفاة الرسول (ص) بويع الخليفة أبو بكر، وبقي عليّ ومعه جميع بني هاشم ستّة أشهر بحسب رواية اُمّ المؤمنين عائشة لم يبايعوه حتّى توفّيت فاطمة(133)، ثمّ بقي الامام عليّ بعيدا عن الساحة، حتّى اُخريات خلافة عثمان، حيث قادت اُمّ المؤمنين عائشة(134) المعارضين من طلحة والزبير وغيرهما لمجابهة الخليفة أملا منها في أن يلي بعده ابن عمّها طلحة. ولمّا قتل عثمان وبايع المسلمون عليّا أقامت عليه حرب الجمل، وانكسرت فيها وأرجعها الامام عليّ إلى المدينة، وبقيت حانقة عليه حتى استشهد، ومرّ بنا إظهارها للسرور من مقتله، ثمّ ولي الحكم معاوية وجمع بينهما الموقف الواحد من الامام، ثمّ فترت العلاقة بينهما على أثر قتل معاوية لحجر بن عدي.

ولمّا أراد معاوية أن يأخذ البيعة ليزيد، كان شقيقها عبد الرحمن بن أبي بكر من أشدّ المعارضين لبيعة يزيد، وخطب مروان في مسجد الرسول (ص) وكان واليا على الحجاز من قبل معاوية، فقال :

إنّ أمير المؤمنين قد اختار لكم، فلم يأل، وقد استخلف لابنه يزيد  بعده.

فقام عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال : كذبت واللّه يا مروان ! وكذب معاوية، ما الخيار أردتما لاُمّة محمد، ولكنّكم تريدون أن تجعلوها هرقلية، كلّما مات هرقل قام هرقل.

فقال مروان : هذا الذي أنزل اللّه فيه ( وَالذِي قالَ لِوالِدَيْهِ اُفٍّ لَكُما)

الاحقاف / 17.

فسمِعَت عائشة مقالته من وراء الحجاب، فقامت من وراء الحجاب،

وقالت : يا مروان ! يا مروان ! فأنصت الناس، وأقبل مروان بوجهه، فقالت :

أنت القائل لعبد الرحمن أنّه نزل فيه القرآن ؟ كذبت واللّه ما هو به، ولكنّه فلان بن فلان، ولكنّك فضض من لعنة اللّه.

وفي رواية، فقالت : كذب واللّه ما هو به، ولكنّ رسول اللّه (ص) لعن أبا مروان ومروان في صلبه، فمروان فضض من لعنة اللّه عزّ وجلّ(135).

وأخرج البخاري الحديث في صحيحه وقال :

(كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية، فخطب فجعل يذكر يزيد ابن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئا، فقال :

خذوه، فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه، فقال مروان : إنّ هذا الذي أنزل اللّه فيه : ( وَالذِي قالَ لِوالِدَيْهِ اُفٍّ لَكُما أتَعِدانَنِي ). فقالت عائشة من وراء الحجاب : ما أنزل اللّه فينا شيئا من القرآن إلاّ أنّ اللّه أنزل عذري)(136).

هكذا حذف البخاري قول عبد الرحمن : (تريدون أن تجعلوها هرقلية...)

وأبدله بقوله : (قال شيئا) وحذف رواية اُمّ المؤمنين عائشة في حقّ مروان. بينا أوردها ابن حجر في شرحه لصحيح البخاري المسمّى بفتح الباري مفصّلا، وفي لفظ بعضها : ولكنّ رسول اللّه (ص) لعن أبا مروان ومروان في صلبه(137).

وإنّما فعل الشيخ البخاري ذلك لانّ معاوية ويزيد هما من خلفاء المسلمين، ولا يرى البخاري أن يسمع العامّة قول عبد الرحمن في حقّهما، إنّهما جعلا الخلافة هرقلية كلّما مات هرقل قام هرقل مقامه.

وحذف رواية اُمّ المؤمنين عائشة في مروان ـ أيضا ـ لانّ مروان أصبح خليفة للمسلمين ولا ينبغي ذكر ما يشينه. هكذا فعل الشيخ البخاري في صحيحه، فإنّه حذف كلّ شي‌ء يشين الخلفاء والحكّام في كلّ حديث جاء فيه من ذلك شي‌ء. ومن ثمّ اعتبرت مدرسة الخلفاء كتابه أصحّ الكتب بعد كتاب اللّه، وعُدّ هو إمام أهل الحديث لديهم.

*          *          *

لمّا لم يستطع مروان أن يأخذ البيعة في الحجاز ليزيد، قدم معاوية الحجاز حاجّا ودخل المدينة، وكان من خبره ما رواه ابن عبد البرّ، حيث قال :

(قعد معاوية على المنبر يدعو إلى بيعة يزيد، فكلّمه الحسين بن علي، وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر، فكان كلام ابن أبي بكر : أهرقلية ! ؟ إذا مات كسرى كان كسرى مكانه ؟ لا نفعل واللّه أبدا. وبعث إليه معاوية بمائة ألف درهم بعد أن أبى البيعة ليزيد، فردّها عليه عبد الرحمن، وأبى أن يأخذها، وقال : أبيع ديني بدنياي ! ؟ فخرج إلى مكّة، فمات بها قبل أن تتمّ البيعة ليزيد ابن

معاوية)(138).

وذكر ابن عبد البرّ بعده وقال :

(إنّ عبد الرحمن مات فجأة بموضع يقال له : ((الحبشي))(139) على نحو عشرة أميال من مكة فدفن بها. ويقال : إنّه توفّي في نومة نامها، ولمّا اتّصل خبر موته باُخته عائشة اُمّ المؤمنين (رض) ظعنت من المدينة حاجّة حتّى وقفت على قبره، وكانت شقيقته، فبكت عليه وتمثّلت :

       وكنّا كندمانَي جذيمة حقبة

                           ‌من الدهر حتّى قيل لن يتصدّعا

      فلمّا تفرّقنا كأنّي ومالكا

                        لطول اجتماع لم نبت ليلة معا(140)

أما واللّه لو حضرتك لدفنتك حيث متّ مكانك، ولو حضرتك ما بكيتك).

وفي مستدرك الحاكم :

(رقد في مقيل قاله، فذهبوا يوقظونه فوجدوه قد مات، فدخل في نفس عائشة تهمة أن يكون صنع به شرّ وعجل عليه فدفن وهو حيّ)(141).

*          *          *

لو بقي عبد الرحمن حيّا لما تمّت بيعة يزيد مع موقفه الصارم ضدّ بيعته ومعه اُمّ المؤمنين عائشة، فمات في طريق مكة، كما مات مالك الاشتر في طريق مصر مسموما بسمٍّ دسّه إليه معاوية(142).

مات عبد الرحمن ليفسح الطريق لبيعة يزيد، كما توفّي قبله الامام الحسن بسمٍّ دسّه إليه معاوية. اغتيل عبد الرحمن في هذا السبيل، كما اغتيل سعد ابن أبي وقّاص وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد ولم يخف ذلك على اُمّ المؤمنين عائشة، فأقامت على بني اُمية عامّة حربا شعواء من الدعاية القويّة ضدّهم بدأتها بنشر ما سمعته من النبي (ص) في شأن مروان وأبيه الحكم، وقابلت سياسة معاوية خاصّة والتي كانت ترمي إلى طمس فضائل بني هاشم عامّة وبيت الامام خاصّة، لمقام الحسنين عند المسلمين، وهو يريد أن يورث الخلافة في عقبه وبلغ الامر به أن أمر بلعن الامام علي (ع) على منابر المسلمين، عندئذ قابلت اُمّ المؤمنين عائشة هذه السياسة مقابلة قوية وأخذت تنشر في هذا الدور فضائل الامام عليّ وشبليه الحسن والحسين سبطي رسول اللّه (ص) وزوجته فاطمة ابنة رسول اللّه (ص) ومن ثمّ روي عنها في فضائلهم بعض ما كانت سمعته من رسول اللّه (ص) وما شاهدته، ومن جملته الحديثان الانفان المتعارضان مع أحاديثها الاُخرى في وفاة الرسول (ص).

*          *          *

كان موقف اُمّ المؤمنين عائشة من حديث الوصية جزءا من عمل الخلافة القرشية مع أحاديث الرسول (ص) في شأن أهل بيته تبعا لسياسة عامة قريش :

(ألاّ تجتمع النبوّة والخلافة في بني هاشم) كما يأتي ذكرها في البحث الاتي بإذنه تعالى.

 


133  مرّت مصادر الخبر في بحث السقيفة من هذا الكتاب.
134  أوردنا تفاصيل موقف عائشة من عثمان ومعاوية في كتابنا : (أحاديث اُمّ المؤمنين عائشة) فصل : مع معاوية، وأوردنا فهرستا من تلك الوقائع.
135  تأريخ ابن الاثير 3 / 199 في ذكر حوادث سنة 56 ه‍‍ .
والفضض : القطعة من الشي‌ء.
136  صحيح البخاري 3 / 16، باب ( وَالذي قالَ لِوالِدَيْهِ ) من تفسير سورة الاحقاف.
137  فتح الباري 10 / 197 ـ 198. وأخرج القصة بتفصيلها أبو الفرج في الاغاني 16 / 90 ـ 91. وراجع ترجمة الحكم بن أبي العاص من الاستيعاب. واُسد الغابة. والاصابة.
ومستدرك الحاكم 4 / 481. وتأريخ ابن كثير 8 / 89. والاجابة في ما استدركته عائشة على الصحابة. وترجمة عبد الرحمن بن أبي بكر في تأريخ دمشق لابن عساكر.
138  راجع ترجمة عبد الرحمن بن أبي بكر من الاستيعاب 2 / 393. واُسد الغابة 3 /
306. والاصابة 2 / 400. وشذرات الذهب في ذكر حوادث سنة 53 ه‍‍ ، وقريب منه ما في مستدرك الحاكم 3 / 476.
139  في معجم البلدان :
الحبشي : جبل بأسفل مكة، بينه وبين مكة ستة أميال، مات عنده عبد الرحمن بن أبي بكر فجأة، فحمل على رقاب الرجال إلى مكة، فقدمت عائشة من المدينة وأتت قبره وتمثّلت : وكنّا كندماني جذيمة... البيتين.
140  راجع ترجمة عبد الرحمن بن أبي بكر من الاستيعاب بهامش الاصابة 2 / 393.

141  مستدرك الحاكم 3 / 476. وكذلك في تلخيص المستدرك للذهبي وقد جاء فيه: (الحبشي).
142  راجع فصل : مع معاوية، من كتابنا (أحاديث اُمّ المؤمنين عائشة).