مقارنة بين حديث اُمّ المؤمنين
عائشة وحديث الامام علي(ع) :
تفرّدت اُمّ المؤمنين عائشة برواية
ما أخبرت به عن خبر آخر ساعات حياة الرسول الاكرم (ص) أنّه طلب طستا ليبول فانخنث
ومات بين حاقنتها وذاقنتها، وأمثال هذه الالفاظ، أضف إليه حديثها وحديث غيرها في
بدء نزول الوحي :
أنّ رسول اللّه (ص) عندما تلقّى
أوّل وحي هبط به جبرائيل من اللّه بآيات سورة إقرأ، شكّ في جبرائيل أنّه شيطان يريد
أن يتلعّب به، وشكّ في الايات الكريمة أنّها من قبيل سجع الكهان حتّى طمأنه الرجل
النصراني ورقة بن نوفل أنّه نبيّ اُوحي إليه كموسى بن عمران، فاطمأنّ وأدرك أنّه
نبيّ، إلى أحاديث اُخرى لهذه المدرسة عن سيرة رسول اللّه (ص).
إنّ تلكم الاحاديث كما ذكرنا في
البحوث التمهيدية كوّنت رؤية خاصة عن رسول اللّه (ص) لمن يعتقد بها، تحطّ من مقام
أفضل الرسل عن مستوى الانسان العادي، ولهذا حقّ للرجل (ذي المعرفة) السعودي أن يقول
: محمد رجّالا مثلي مات.
أمّا في حديث الامام عليّ عن بدء
نزول الوحي وهو الشاهد الوحيد الذي كان عندئذ مع الرسول (ص) في غار حراء : أنّه سمع
رنّة حينئذ وأنّ الرسول (ص) أخبره أنّ الرنّة من الشيطان لانّه أيس من عبادته.
وفي حديثه أيضا : انّ اللّه قرن
برسول اللّه (ص) منذ أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن
أخلاق العالم ليله ونهاره.
وفي حديثه عن وفاة رسول اللّه (ص)
أنّه أدناه إليه وأخذ يناجيه ويسرّ إليه ويوصي حتّى قبض (ص)(130) وسالت نفسه في
كفّه فأمرّها على وجهه وأنّه أخذ في تغسيله وتكفينه والملائكة أعوانه في ذلك، وقد
ضجّت الدار والافنية ملا يهبط وملا يعرج، وأنّه ما فارقت سمعه هينمة منهم يصلّون
عليه حتّى واراه في ضريحه.
إنّ أمثال هذه الاحاديث عن سيرة
الرسول بمدرسة أهل البيت ـ أيضا ـ كوّنت رؤية خاصة لمن يعتقد بها، ولن يتيسّر
تقارب بين المسلمين ما لم تدرس المجموعتان من الاحاديث معا دراسة مقارنة لنصل إلى
الحقيقة المنشودة ثمّ يتفاهم الاخوة المسلمون في ضوء تلك الدراسات إن شاء اللّه
تعالى.
ونؤكّد مرّة اُخرى أنّ في مقدّمة ما
ينبغي دراسته دراسة مقارنة؛ أخبار سيرة الرسول الاكرم (ص) وتأريخ عصر الرسول (ص)
وعصر من تشرّف بصحبته.
حديثان متعارضان من اُمّ
المؤمنين عائشة
وموقفان مختلفان
روى ابن عساكر أنّ امرأتين سألتا
عائشة، فقالتا :
يا اُمّ المؤمنين أخبرينا عن عليّ،
قالت : أي شيء تسألن عن رجل وضع يده من رسول اللّه (ص) موضعا فسالت نفسه في يده
فمسح بها وجهه، واختلفوا في دفنه، فقيل : إنّ أحبّ البقاع إلى اللّه مكان قبض فيه
نبيّه. قالتا : فلم خرجت عليه ؟ قالت : أمر قضي، لوددت أن أفديه بما في الارض(131).
إنّ حديثها هذا يتّفق مع حديث
الامام علي الذي قال فيه :
قُبض رسول اللّه (ص) وإنّ رأسه على
صدري، ولقد سالت نفسه في كفّي وأمررتها على وجهي.
ويتعارض مع حديثها :
(انخنث بين حاقنتي وذاقنتي).
وروى ابن عساكر ـ أيضا ـ عن عائشة
أنّها قالت : قال رسول اللّه (ص) وهو في بيتها لمّا حضره الموت :
اُدعوا لي حبيبي...
فدعوا عليّا فأتاه، فلمّا رآه أفرد
الثوب الذي كان عليه ثمّ أدخله فيه فلم يزل يحتضنه حتّى قُبض عليه(132).
حديثها هذا يتّفق مع حديث عبد اللّه
بن عمرو الذي قال فيه :
(إنّ رسول اللّه قال في مرضه :
ادعوا لي عليّا...) ويعارض أحاديثها، في أنّ الرسول (ص) توفّي بين سحرها ونحرها،
وأمثالها، ومنشأ صدور الحديثين المتعارضين من اُمّ المؤمنين عائشة؛ وسببه، اختلاف
موقفها من الامام علي. وبيانه :
130 وقد أيّد حديثه، حديث اُمّ سلمة وغيرها في ذلك.
131 الحديث أخرجه ابن عساكر في ترجمة الامام علي 3 / 15.
132 الحديث أخرجه ابن عساكر في ترجمة الامام علي 3 / 15.