الخليفة هارون الرشيد يخبر بما بلغه من
الاوصياء :
في الاخبار الطوال
عن الاصمعي(75) ما موجزه :
قال : دخلت على
الرشيد فأرسل إلى ولديه محمد وعبد اللّه، فأتياه وأجلسهما عن يمينه وشماله وأمرني
بمطارحتهما، فكنت لا اُلقي عليهما شيئا من فنون الادب إلاّأجابا به وأصابا، فقال :
كيف ترى أدبهما ؟
قلت : يا أمير
المؤمنين ما رأيت مثلهما في ذكائهما وجودة ذهنهما... قال : فضمّهما إلى صدره،
وسبقته عبرته حتّى تحدّرت دموعه، ثمّ أذن لهما، حتّى نهضا وخرجا، قال :
كيف بكم إذا ظهر
تعاديهما وبدا تباغضهما ووقع بأسهما بينهما حتّى تسفك الدماء ويودّ كثير من الاحياء
أنّهم كانوا موتى ؟
فقلت : يا أمير
المؤمنين، هذا شيء قضى به المنجّمون عن مولدهم، أو شيء أثرته العلماء في أمرهما ؟
قال : بل شيء أثرته
العلماء عن الاوصياء عن الانبياء في
أمرهما.
قالوا : فكان
المأمون يقول في خلافته : قد كان الرشيد سمع جميع ما جرى بينن من موسى بن جعفر بن
محمد(76)، فلذلك قال ما قال.
*
* *
قال المؤلف :
قصد الرشيد من
الاوصياء الائمة من أهل البيت : موسى وأباه جعفر الصادق وجدّه محمدا الباقر وجدّ
أبيه علي بن الحسين ثمّ الحسن والحسين وأباهما علي ابن أبي طالب (ع). وقصد من
الانبياء خاتم الانبياء (ص).
ومن أجل ذلك فعل
الخليفة هارون الرشيد ما لم يفعله خليفة من قبله ولا بعده وذلك كما رواه المؤرّخون
وقالوا :
(ولمّا صار إلى مكّة
صعد المنبر، فخطب، ثمّ نزل، فدخل البيت، ودعا بمحمّد والمأمون، فأملى على محمد كتاب
الشرط على نفسه، وكتب محمد الكتاب، وأحلفه على ما فيه، وأخذ عليه العهود والمواثيق،
وفعل بالمأمون مثله، وأخذ عليه مثل ذلك، وكان نسخة الكتاب الذي كتبه محمد بخطّه :
بسم اللّه الرحمن
الرحيم
هذا كتاب لعبد اللّه
هارون أمير المؤمنين، كتبه محمد بن هارون في صحّة من بدنه وعقله وجواز من أمره. إنّ
أمير المؤمنين هارون ولاّني العهد من بعده، وجعل لي البيعة في رقاب المسلمين جميعا،
وولّى أخي عبد اللّه ابن أمير المؤمنين العهد والخلافة وجميع اُمور المسلمين بعدي
برضىً منّي وتسليم، طائعا غير مكره، وولاّه خراسان بثغورها وكورها ، وأجنادها
وخراجها وطرازها، وبريدها، وبيوت أموالها وصدقاتها وعُشرها وعُشورها، وجميع أعمالها
في حياته وبعد موته، وشرطت لعبد اللّه أخي علَيّ الوفاء بما جعل له هارون أمير
المؤمنين من البيعة والعهد والولاية والخلافة واُمور المسلمين بعدي... إلى آخر
الكتابين.
وروى الطبري بعد ذلك
وقال :
(وكتبا لامير
المؤمنين في بطن بيت اللّه الحرام بخطوط أيديهما بمحضر ممّن شهد الموسم من أهل بيت
أمير المؤمنين وقوّاده وصحابته وقضاته وحَجَبَة الكعبة وشهاداتهم عليهما كتابين
استودعهما أمير المؤمنين الحَجَبَة وأمر بتعليقهما في داخل الكعبة، فلمّا فرغ أمير
المؤمنين من ذلك كلّه في داخل بيت اللّه الحرام وبطن الكعبة أمر قضاته الذين شهدوا
عليهما وحضروا كتابهما أن يُعلموا جميع من حضر الموسم من الحاجّ والعُمّار ووفود
الامصار ما شهدوا عليه من شرط هما وكتابهما، وقراءة ذلك عليهم ليفهموه ويَعُوه
ويعرفوه ويحفظوه ويؤدّوه إلى إخوانهم وأهل بلدانهم وأمصارهم. ففعلوا ذلك وقُرئ
عليهم الشرطان جميعا في المسجد
الحرام، فانصرفوا.
وقد اشتهر ذلك عندهم وأثبتوا الشهادة عليه...)(77).
75 الاصمعي : عبد الملك بن قريب (ت :
216 ه) البصري اللغوي النحوي. قيل : كان يحفظ اثني عشر ألف اُرجوزة. ترجمته في
الكنى والالقاب للقمّي.
76 الاخبار الطوال، ط. القاهرة الاُولى سنة 1960، ص 389
لابي حنيفة الدينوري (ت : 282 ه). ومروج الذهب للمسعودي 3 / 351.
77 تأريخ اليعقوبي 2 / 416 ـ 421. وأورد الطبري تفصيل ذلك
في ذكر حوادث سنة ستّ وثمانين ومائة، ط. اوربا 3 / 654 ـ 665. وأشار إلى ذلك بإيجاز
كلّ من المسعودي في مروج الذهب 3 / 353. وابن الاثير في تأريخه (الكامل)، ط. اوربا
6 / 117 ـ 118. وابن كثير في البداية والنهاية 10 / 187.