الوصيّة في أحاديث الصحابة
والتابعين :
الوصيّة في خطبة أبي ذر :
وقف أبو ذرّ على عهد عثمان بباب
مسجد رسول اللّه وخطب وقال في خطبته :
(ومحمد وارث علم آدم وما فضّل به
النبيّون، وعلي بن أبي طالب وصيّ محمد ووارث علمه...).
سيأتي تمام الخطبة في ذكر النوع
العاشر من أنواع الكتمان في مدرسة الخلفاء إن شاء اللّه تعالى.
الوصيّة في حديث الاشتر :
قال مالك بن الحارث الاشتر لمّا
بويع أمير المؤمنين (ع) :
أيّها الناس هذا وصيّ الاوصياء،
ووارث علم الانبياء، العظيم
البلاء، الحسن العناء، الذي شهد له
كتاب اللّه بالايمان، ورسوله بجنّة الرضوان، من كملت فيه الفضائل، ولم يشكّ في
سابقته وعلمه وفضله الاواخر ولا الاوائل(58).
الوصيّة في حديث عمرو بن
الحمق الخزاعي :
عندما جمع أمير المؤمنين الناس
بالكوفة وخاطبهم في شأن المسير إلى صفّين لحرب معاوية، قام عمرو بن الحمق الخزاعي
وخاطب الامام وقال :
يا أمير المؤمنين إنّي ما أحببتك
ولا بايعتك على قرابة بيني وبينك، ولا إرادة مال تؤتينيه، ولا التماس سلطان ترفع
ذكري به، ولكنّني أحببتك بخصال خمس :
إنّك ابن عمّ رسول اللّه (ص)،
ووصيّه، وأبو الذرّية التي بقيت فينا من رسول اللّه (ص)، وأسبق الناس إلى الاسلام،
وأعظم المهاجرين سهما في الجهاد(59).
الوصيّة في كتاب محمّد بن أبي
بكر :
كتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية :
بسم اللّه الرحمن الرحيم
من محمد بن أبي بكر إلى الغاوي ابن
صخر. سلام على أهل طاعة اللّه ممّن هو مسلم لاهل ولاية اللّه. أمّا بعد فإنّ
اللّه... انتخب محمدا (ص) فاختصّه برسالته، واختاره لوحيه، وأتَمَنه على أمره،
وبعثه رسولا مصدّقا لما بين يديه من الكتب، ودليلا على الشرائع، فدعا إلى سبيل ربّه
بالحكمة والموعظة الحسنة، فكان أوّل من أجاب وأناب، وصدّق ووافق، وأسلم وسلم؛ أخوه
وابن عمّه عليّ ابن أبي طالب (ع)، فصدّقه بالغيب المكتوم، وآثره على كلّ حميم،
فوقاه كلّ هول، وواساه بنفسه في كلّ خوف، فحارب حربه، وسالم سَلْمَه، فلم يبرح
مبتذلا لنفسه في ساعات الازل، ومقامات الروع، حتّى برز سابقا لا نظير له في جهاده،
ولا مقارب له في فعله. وقد رأيتك تساميه وأنت أنت، وهو هو المبرّز السابق في كلّ
خير، أوّل الناس إسلاما، وأصدق الناس نيّة، وأطيب الناس ذرّية، وأفضل الناس زوجة،
وخير الناس ابن عمّ... ثمّ لم تزل أنت وأبوك تبغيان الغوائل لدين اللّه، وتجهدان
على إطفاء نور اللّه، وتجمعان على ذلك الجموع، وتبذلان فيه المال، وتحالفان فيه
القبائل. على ذلك مات أبوك، وعلى ذلك خلفته، والشاهد عليك بذلك من يأوي ويلجأ إليك
من بقية الاحزاب رؤوس النفاق والشقاق لرسول اللّه (ص).
والشاهد لعليّ مع فضله المبين وسبقه
القديم، أنصاره الذين ذُكروا بفضلهم في القرآن فأثنى اللّه عليهم، من المهاجرين
والانصار، فهم معه عصائب وكتائب حوله، يجالدون بأسيافهم، ويُهريقون دماءهم دونه،
يرون الفضل في اتّباعه، والشقاء في خلافه، فكيف ـ يا لك الويل ـ تعدل نفسك بعليّ،
وهو وارث رسول اللّه (ص)، ووصيّه وأبو ولده وأوّل الناس له اتّباعا، وآخرهم به
عهدا، يخبره بسرّه ويشركه في أمره.
وكتب معاوية في جوابه :
من معاوية بن أبي سفيان إلى الزاري
على أبيه محمد بن أبي بكر. سلام على أهل طاعة اللّه. أمّا بعد فقد أتاني كتابك،
تذكر فيه ما اللّه أهله في قدرته وسلطانه وما أصفى به نبيّه، مع كلام ألّفته
ووضعته، لرأيك فيه تضعيف، ولابيك فيه تعنيف.
ذكرت حقّ ابن أبي طالب، وقديم
سوابقه وقرابته من نبيّ اللّه (ص)، ونصرته له ومواساته إيّاه في كلّ خوف وهول،
واحتجاجك عليّ بفضل غيرك لا بفضلك.
فأحمد إلها صرف الفضل عنك وجعله
لغيرك. وقد كنّا وأبوك معنا في حياة من نبيّنا (ص)، نرى حق ابن أبي طالب لازما لنا،
وفضله مبرّزا علينا فلمّا اختار اللّه لنبيّه (ص) ما عنده، أتمّ له ما وعده، وأظهر
دعوته وأفلج حجّته، قبضه اللّه إليه، فكان أبوك وفاروقه أوّل من ابتزّه وخالفه. على
ذلك اتّفقا واتّسقا، ثمّ دَعَواه إلى أنفسهم فأبطأ عنهما وتلكّأ عليهما، فهمّا به
الهموم، وأرادا به العظيم، فبايع وسلّم لهما، لا يشركانه في أمرهما، ولا يطلعانه
على سرّهما، حتّى قبضا وانقضى أمرهما.
ثمّ قام بعدهما ثالثهما عثمان بن
عفّان، يهتدي بهديهما ـ إلى آخر الكتاب.
أوردنا جواب معاوية لما فيه من
الاعتراف بما ذكره محمد بن أبي بكر.
وأورد تمام الكتابين نصر بن مزاحم
في كتابه وقعة صفّين والمسعودي في مروج الذهب. وأشار إليهما الطبري وابن الاثير في
ذكرهما حوادث سنة ستّ وثلاثين هجرية.
روى الطبري بسنده عن يزيد بن ظبيان
:
أنّ محمد بن أبي بكر كتب إلى معاوية
بن أبي سفيان لمّا ولي. فذكر مكاتبات جرت بينهما كرهت ذكرها لما فيه ممّا لا يحتمل
سماعه العامة....
إذا فإنّ الطبري لم يورد في موسوعته
التأريخية الكبرى ما دار بين محمد ابن أبي بكر ومعاوية من مكاتبات لانّه لم يرَ من
الحكمة أن يطّلع عليها عامة الناس وليس من باب عدم اعتماده على صحّة الخبر. وتبعه
العلاّمة ابن الاثير ولم يورد تلك المكاتبات في موسوعته التأريخية (الكامل) وذكر
نفس العلّة وقال :
كرهت ذكرها لما فيه ممّا لا يحتمل
سماعه العامة(60).
الوصيّة في كتاب عمرو بن العاص
:
روى الخوارزمي كتابا لعمرو بن العاص
إلى معاوية قال فيه :
فأمّا ما دعوتني إليه...، وإعانتي
إيّاك على الباطل، واختراط السيف في وجه عليّ وهو أخو رسول اللّه (ص) ووصيّه
ووارثه، وقاضي دينه ومنجز وعده وزوج ابنته...(61).
الوصيّة في كلام الامام عليّ
(ع) واحتجاجه :
روى الخوارزمي من كلام الامام علي
(ع) :
(أنا أخو رسول اللّه (ص)
ووصيّه...)(62).
وروى ابن أبي الحديد، من كتاب
للامام علي (ع) إلى أهل مصر :
(واعلموا أنّه لا سوى : إمام الهدى
وإمام الردى، ووصيّ النبيّ وعدوّ النبيّ)(63).
وذكر اليعقوبي احتجاج الخوارج على
الامام عليّ (ع) وجاء فيه أنّه ضيّع الوصيّة، فكان من جوابه (ع) :
(أمّا قولكم إنّي كنت وصيّا فضيّعت
الوصيّة، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يقول : ( وَلِلّهِ عَلى النَّاسِ حجُّ البَيْتِ مَنِ
اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإنَّ اللّهَ غَنِيُّ عَنِ العالَمِين )
آل عمران / 97. أفرأيتم هذا البيت لو لم يحجّ إليه أحد كان البيت يكفر ؟ إنّ هذا
البيت لو تركه من استطاع إليه سبيلا كفر، وأنتم كفرتم بترككم إيّاي لا أنا بتركي
لكم ـ الخ)(64).
الوصيّة في خطب الامام علي (ع)
:
في الخطبة 182 من نهج البلاغة، قال
الامام :
(أيّها الناس إنّي قد بثثت لكم
المواعظ التي وعظ الانبياء بها اُممهم، وأدّيت إليكم ما أدّت الاوصياء إلى من
بعدهم...).
وفي الخطبة 88 منه، قال :
(ومالي لا أعجب من خطأ هذه الفرقة
على اختلاف حجمها في دينها، لا يقتصّون أثر نبيّ ولا يقتدون بعمل وصيّ).
وفي الخطبة الثانية منه قال:
(لا يقاس بآل محمد (ص) من هذه
الاُمّة أحد، ولا يُسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا... هم أساس الدين... ولهم
خصائص حقّ الولاية وفيهم الوصيّة والوراثة...).
وقال ابن أبي الحديد :
خطب عليّ (ع) فقال في أثناء خطبته :
(أنا عبد اللّه، وأخو رسوله، لا يقولها أحد قبلي ولا بعدي إلاّ كذب؛ ورثتُ نبيّ
الرحمة، ونكحت سيدة نساء هذه الاُمّة، وأنا خاتم الوصيين)(65).
الوصيّة في خطبة الامام الحسن
(ع) :
خطب الامام الحسن (ع) بعد مقتل أبيه
وقال في خطبته :
(أنا الحسن بن عليّ وأنا ابن النبيّ
وأنا ابن الوصيّ)(66)، الحديث.
الوصيّة في تعزية الشيعة
للامام الحسين
بوفاة أخيه الامام الحسن:
لمّا توفّي الحسن وبلغ الشيعة ذلك،
اجتمعوا بالكوفة في دار سليمان بن صرد وكتبوا إلى الحسين بن علي يعزّونه على مصابه
بالحسن:
بسم اللّه الرحمن الرحيم
للحسين بن علي من شيعته وشيعة أبيه
أمير المؤمنين. سلام عليك، فإنّا نحمد إليك اللّه الذي لا إله إلاّ هو. أمّا بعد
فقد بلغنا وفاة الحسن بن علي [ فسلام عليه ](67) يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث
حيا... ما أعظم ما اُصيب به هذه الاُمّة عامة وأنت وهذه الشيعة خاصة بهلاك ابن
الوصيّ وابن بنت النبيّ و...(68).
وفي مروج الذهب للمسعودي : قال ابن
عباس لمعاوية لمّا بلغه وفاة الامام الحسن وهو بالشام : ولئن اُصبنا به فقد اُصبنا
قبله بسيد المرسلين وإمام المتّقين ورسول ربّ العالمين ثمّ بعده بسيّد الاوصياء،
فجبر اللّه تلك المصيبة...(69).
الوصيّة في خطبة الامام الحسين
(ع) :
خطب الامام الحسين (ع) يوم العاشر
من المحرّم على جيش الخليفة يزيد وقال في خطبته في مقام الاحتجاج عليهم:
(أمّا بعد فانسبوني فانظروا من أنا
؟ ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها هل يجوز لكم قتلي وانتهاك حرمتي. ألست ابن بنت
نبيّكم (ص) وابن وصيّه وابن عمّه وأوّل القوم إسلاما وأوّل المؤمنين باللّه
والمصدّق لرسوله بما جاء من عند ربّه ؟ أوَليس حمزة سيّد الشهداء عمّ أبي ؟ !
أوَليس جعفر الشهيد الطيّار ذو الجناحين عمّي؟)(70).
إذا كان ما وصف به الامام الحسين
أباه الامام عليّا من أنّه وصيّ رسول اللّه (ص) مشهورا عندهم كشهرة نبوّة جدّه،
وأنّ عمّ أبيه حمزة سيد الشهداء، وأنّ جعفر الطيّار ذا الجناحين عمّه. ولذلك ذكره
في نسبه ولم يردّ عليه أحد منهم.
58 تأريخ اليعقوبي 2 / 178.
59 شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 281. وفي طبعة تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم 3 /
181.
وعمرو بن الحمق الخزاعي : هاجر إلى النبيّ (ص) بعد الحديبية، سقى النبي (ص) فدعا له
وقال : اللّهم متّعه بشبابه، فمرّت عليه ثمانون سنة لا ترى في لحيته شعرة بيضاء.
شهد مع عليّ مشاهده كلّها وكان من أصحاب حجر بن عدي. وخاف زياد بن أبيه وهرب من
الكوفة إلى الموصل واختفى في غار بالقرب منه، فأرسل معاوية إلى العامل بالموصل ـ
وكان العامل عمرو بن الحكم ابن اُخت معاوية ـ ليحمل إليه عمرا فوجده ميتا، كان قد
نهشته حيّة فقطع رأسه وبعث به إلى خاله معاوية. وكان رأسه أوّل رأس حمل في الاسلام.
وكان معاوية قد حبس زوجة عمرو بن الحمق، آمنة بنت الشريد، فوجّه إليها رأس عمرو
فاُلقي في حجرها فارتاعت
لذلك ثمّ وضعته في حجرها ووضعت كفّها على جبينه ثمّ لثمت فاه وقالت : غيّبتموه عنّي
طويلا ثمّ أهديتموه إليّ قتيلا فأهلا بها من هديّة غير قالية ولا مقلية. وكان قتله
في سنة خمسين للهجرة. ترجمته باُسد الغابة 4 / 100 ـ 101.
60 الكتاب وجوابه في صفّين لنصر بن مزاحم، ط. القاهرة سنة 1382 ه ، ص 118 ـ
119. وتأريخ الطبري، ط. اوربا 1 / 3248. وتأريخ ابن الاثير، ط. اوربا 3 / 108.
ومروج الذهب للمسعودي، ط. بيروت سنة 1385 ه ، 3 / 11، وقال : إنّ محمد بن أبي بكر
كتب الكتاب إلى معاوية من مصر لمّا ولاّه الامام علي. وابن أبي الحديد 1 / 284.
61 مناقب الخوارزمي ص 125.
62 مناقب الخوارزمي ص 143.
63 شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 28.
64 تأريخ اليعقوبي 2 / 192 ـ 193.
65 شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ط. مصر الاُولى 1 / 208.
66 نقلنا الخبر من مستدرك الحاكم 3 / 172. وراجع ذخائر العقبى ص 138. وفي مجمع
الزوائد للهيثمي 9 / 146 عن الطبراني وغيره.
67 لم يرد هذا في النصّ ولكنّ السياق يقتضيه.
68 تأريخ اليعقوبي 2 / 228.
69 مروج الذهب للمسعودي 2 / 430.
70 في الخطبة التي رواها الطبري في ط. اوربا 2 / 329. وابن الاثير، ط. اوربا 4 /
52.
وذكر الخطبة ابن كثير في 8 / 179 وحذف منها ما ذكره الامام الحسين في وصف أبيه وكتب
بدلها (وعليّ أبي) وأورد الباقي.