الوصية في كتب الاُمم السابقة :
روى نصر بن مزاحم في كتابه وقعة
صفّين والخطيب في تأريخ بغداد واللفظ للاوّل :
إنّ الامام عليّا في مسيره إلى
صفّين عطش جيشه في صحراء، فانطلق بهم حتّى أتى بهم على صخرة، فأعانهم حتّى اقتلعوها
وشرب الجيش حتّى ارتووا، وكان بالقرب منهم دير، فلمّا اطّلع صاحب الدير على هذا
الامر قال : ما بُني هذا الدير إلاّ بذلك الماء وما استخرجه إلاّ نبيّ أو وصيّ
نبيّ(56).
خبر آخر يؤيّد الخبر السابق :
في صفّين لنصر بن مزاحم وتأريخ ابن
كثير واللفظ للاوّل :
قال : لمّا نزل عليّ الرقّة بمكان
يقال له بليخ على جانب الفرات، فنزل راهب هناك من صومعته فقال لعلي : إنّ عندنا
كتابا توارثناه عن آبائنا، كتبه أصحاب عيسى بن مريم، أعرضه عليك ؟ قال علي : نعم،
فما هو ؟ قال الراهب :
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الذي قضى في ما قضى، وسطر في ما
سطر، أنّه باعث في الاُميّين رسولا منهم يعلّمهم الكتاب والحكمة، يدلّهم على سبيل
اللّه، لا فظّ ولا غليظ، ولا صخّاب في الاسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو
ويصفح، اُمّته الحمّادون الذين يحمدون اللّه على كلّ نشز، وفي كلّ صعود وهبوط، تذلّ
ألسنتهم بالتهليل والتكبير
والتسبيح، وينصره اللّه على كلّ من
ناوأه، فإذا توفّاه اللّه اختلفت اُمّته ثمّ اجتمعت، فلبثت بذلك ما شاء اللّه ثمّ
اختلفت، فيمرّ رجل من اُمّته بشاطئ هذا الفرات، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر،
ويقضي بالحقّ، ولا يرتشي في الحكم. الدنيا أهون عليه من الرماد في يوم عصفت به
الريح، والموت أهون عليه من شرب الماء على الظماء. يخاف اللّه في السرّ، وينصح له
في العلانية، ولا يخاف في
اللّه لومة لائم. من أدرك ذلك
النبيّ (ص) من أهل هذه البلاد فآمن به كان ثوابه رضواني والجنّة، ومن أدرك ذلك
العبد الصالح فلينصره؛ فإنّ القتل معه شهادة.
ثمّ قال له : فأنا مصاحبك غير
مفارقك حتّى يصيبني ما أصابك. قال : فبكى عليّ ثمّ قال : الحمد للّه الذي لم يجعلني
عنده منسيا. الحمد للّه الذي ذكرني في كتب الابرار. ومضى الراهب معه، وكان ـ في ما
ذكروا ـ يتغدّى مع عليّ ويتعشّى حتّى اُصيب يوم صفّين. فلمّا خرج الناس يدفنون
قتلاهم قال عليّ : اطلبوه. فلمّا
وجدوه، صلّى عليه ودفنه، وقال : هذا
منّا أهل البيت. واستغفر له مرارا(57).
56
وقعة صفين، ط. المدني بمصر سنة 1382 ه ، ص 145. وتأريخ الخطيب 12 / 305. وقد
أوردنا الخبر بإيجاز من الاوّل.
وقد بني في مكان الدير منذ قرون مسجد براثا، وتغيّر مجرى نهري دجلة والفرات اللذين
كانا يجريان في أرض العراق وأصبح مجرى نهر دجلة قريبا من المسجد المذكور.
57 صفين ص 147 ـ 148. وابن كثير 7 / 254.
والبليخ : اسم نهر بالرقّة، يجتمع فيه الماء من عيون. معجم البلدان.