باب ذكر من استخلف الرسول (ص)
على المدينة في غزواته في السنة الثانية من الهجرة :
اُذِن لرسول اللّه (ص) بالقتال في
صفر من السنة الثانية، فغزا بالمهاجرين يعترض عيرا لقريش فبلغ ودّان والابواء(25).
أوّلا ـ استخلف سعد بن عبادة سيّد
الخزرج من الانصار خمس عشرة ليلة، مدّة غيبته عن المدينة.
ثانيا ـ استخلف في غزوة بواط(26)
سعد بن معاذ من سادة الاوس من الانصار في ربيع الاوّل.
ثالثا ـ استخلف مولاه زيد بن
حارثة في غزوته لطلب كرز بن جابر الفهري ـ وكان أغار على سرح المدينة ـ فبلغ (ص)
سفوان وفاته كرز والسرح(27).
رابعا ـ استخلف أبا سلمة المخزومي
في غزوة ذي العشيرة، حين ذهب في جمادى الاُولى أو الثانية يعترض عيرا لقريش ذاهبة
إلى الشام، ففاتته، وكان القتال ببدر في رجوعها من الشام(28).
خامسا ـ استخلف ابن اُمّ مكتوم
الضرير في غزوة بدر الكبرى، وغاب عن المدينة تسعة عشر يوما(29).
سادسا ـ استخلف أبا لبابة
الانصاري الاوسي في غزوة بني قينقاع(30).
سابعا ـ استخلف أيضا أبا لبابة في
غزوة السويق، وكان خروجه (ص) في طلب أبي سفيان حين أقبل في مائتي راكب ليبرّ بنذره
أن لا يمسّ الطيب والنساء حتّى يثأر لاهل بدر، وانتهوا إلى العُريض فبلغهم خروج
النبيّ (ص) فجعلوا يلقون جرب السويق تخفّفا، فسمّيت غزوة السويق(31).
في السنة الثانية :
ثامنا ـ استخلف ابن اُمّ مكتوم في
غزوة قَرْقَرَة الكُدْرِ، وسار (ص) للنصف من المحرّم يريد سليم وغطفان ـ بين
قبيلتين من قيس عيلان ـ فانجفلوا، وغنم من أموالهم، ورجع ولم يلقَ كيدا(32).
تاسعا ـ استخلف ابن اُمّ مكتوم في
غزوة فَرَان، وغاب عن المدينة عشرة أيام من جمادى الاخرة، فتفرّقوا ولم يلق
كيدا(33).
عاشرا ـ استخلف عثمان بن عفّان في
غزوة ذي أمَر بنجد، سار (ص) يريد غطفان، فانجفلوا من بين يديه ولم يلق كيدا، وغاب
فيها عن المدينة عشرة أيام.
حادي عشر ـ استخلف ابن اُمّ
مكتوم في غزوة اُحد، وقاتل المشركين في سفح جبل اُحد ـ على بعد ميل من المدينة ـ،
غاب فيها عن المدينة يوما واحدا.
ثاني عشر ـ استخلف ابن اُمّ
مكتوم في غزوة حمراء الاسد ـ على بعد عشرة أميال من المدينة ـ سار في طلب أبي سفيان
حين بلغه أنّه يريد الكرّ على المدينة، ففاته أبو سفيان ومن معه، فأقام فيها ثلاثة
أيام، ثمّ عاد إلى المدينة.
في السنة الرابعة :
ثالث عشر ـ استخلف ابن اُمّ
مكتوم في غزوة بني النضير بناحية الغرس، حصرهم خمسة عشر يوما، ثمّ أجلاهم عنها(34).
رابع عشر ـ استخلف عبد اللّه بن
رواحة الانصاري في غزوة بدر الثالثة ستة عشر يوما، وأقام فيها ثمانية أيام لموعد
أبي سفيان إيّاهم في اُحد أنّه سيقاتلهم العام القادم في بدر، وخرج أبو سفيان من
مكّة إلى عسفان، ثمّ عاد منها إلى مكة(35).
في السنة الخامسة :
خامس عشر ـ استخلف في غزوة ذات
الرقاع عثمان بن عفّان خمس عشرة ليلة وخرج لعشر خلون من المحرّم، فأجفلت العرب من
بين يديه ولحقوا برؤوس الجبال وبطون الاودية(36).
سادس عشر ـ استخلف ابن اُمّ
مكتوم في غزوة دومة الجندل حين سار إلى أكيدر بن عبد الملك النصراني ـ وكان يعترض
سفر المدينة وتجارتهم ـ فهرب وتفرّق أهلها، فلم يجد بها أحدا، فأقام أياما وعاد إلى
المدينة وهي أوّل غزواته إلى الروم(37).
سابع عشر ـ استخلف مولاه زيد بن
حارثة في غزوة بني المصطلق على ماء المُرَيسِيع ثمانية عشر يوما، خرج فيها لليلتين
خلتا من شعبان(38).
ثامن عشر ـ استخلف في غزوة
الخندق ابن اُمّ مكتوم، وهو يقاتل الاحزاب دون الخندق من داخل المدينة في شهر شوّال
أو ذي القعدة.
تاسع عشر ـ استخلف أبا رهم
الغفاري في غزوة بني قريظة، وهم على بعض يوم من المدينة، حصرهم خمسة عشر يوما أو
أكثر، بدأهم بسبعٍ بقين من ذي القعدة(39).
في السنة السادسة :
عشرين ـ استخلف في غزوة بني لحيان
من هذيل، بالقرب من عسفان، ابن اُمّ مكتوم، أربع عشرة ليلة ورجع ولم يلقَ كيدا(40).
حادي وعشرين ـ استخلف ابن اُمّ
مكتوم، خمس ليالٍ في غزوة ذي قَرَد، على ليلتين من المدينة(41).
ثاني وعشرين ـ استخلف ابن اُمّ
مكتوم في غزوة الحديبية(42).
في السنة السابعة :
ثالث وعشرين ـ استخلف سباع بن
عُرفُطَة في غزوة خيبر، وهي على بعد ثمانية برد من المدينة، وبعد فتح قلاعها عنوة
وصلحا سار إلى وادي القرى فحصرهم أياما حتّى افتتحها عنوة، ثمّ صالح أهل تيماء وهي
على ثمانية مراحل من الشام، ووادي القرى بينها وبين المدينة(43).
رابع وعشرين ـ واستخلف أيضا سباع
بن عرفطة في عمرة القضاء(44).
في السنة الثامنة :
خامس وعشرين ـ استخلف على
المدينة أبا رهم الغفاري في غزوة مكة.
سادس وعشرين ـ سار بعد غزوة مكة
إلى هوازن لغزو حنين، وحنين وادٍ إلى جانب ذي المجاز يبعد ثلاث ليالٍ عن مكة، وبقي
ـ أيضا ـ أبو رهم واليا على المدينة في هذه الغزوة.
سابع وعشرين ـ واستخلف علي بن
أبي طالب في غزوة تبوك ـ على بعد تسعين فرسخا من المدينة ـ .
وهي آخر غزواته، وكانت غزواته
ثمانيا وعشرين غزوة إن اعتبرنا خيبر ووادي القرى غزوتين، وإلاّ فهي سبع وعشرون
غزوة.
* * *
رجعنا في ذكر أسماء من استخلفهم
رسول اللّه (ص) على المدينة في غيابه عنها إلى التنبيه والاشراف للمسعودي في ذكره
التأريخ من السنة الثانية إلى السنة الثامنة من الهجرة، وقد يختلف في ذكر أسماء من
ولاّه رسول اللّه (ص) على المدينة مع غيره أحيانا. أمّا ما ذكره في استخلاف الامام
عليّ على المدينة في غزوة تبوك فقد قال ذلك ـ أيضا ـ إمام الحنابلة في مسنده في ما
رواه عن سعد بن أبي وقّاص؛ قال :
إنّ رسول اللّه (ص) حين خرج في غزوة
تبوك استخلف عليها عليّا (رض) على المدينة، فقال عليّ : يا رسول اللّه ما كنت اُحبّ
أن تخرج وجها إلاّ وأنا معك. فقال : أوَما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى
إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي(45). ويؤيد ذلك أيضا ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب بدء
الخلق باب غزوة تبوك حيث روى عن سعد بن أبي وقاص أيضا أنّه قال : إنّ رسول اللّه
(ص) خرج إلى تبوك واستخلف عليّا فقال : أتخلفني في الصبيان
والنساء ؟ قال : ألا ترضى أن تكون
منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي(46).
وما رواه مسلم ـ أيضا ـ في صحيحه عن
سعد بن أبي وقّاص أنّه قال : سمعت رسول اللّه (ص) يقول له وقد خلّفه في بعض مغازيه
فقال له عليّ :
يا رسول اللّه خلّفتني مع الصبيان
والنساء ؟ فقال له رسول اللّه (ص) : أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى
إلاّ أنّه لا نبوّة بعدي(47).
* * *
هكذا لم يغب الرسول (ص) في غزواته
عن المدينة أياما معدودات
دون أن يستخلف عليهم من يرجعون إليه
مدّة غيابه عن المدينة، بل إنّه لم يغب يوما عن المدينة أو بعض يوم دون أن يستخلف
عليهم من يرجعون إليه، كما كان الشأن في غزوة اُحد، وكان جبل اُحد على بعد ميل من
المدينة، فإنّه (ص) قد عيّن خليفته عليهم مدّة غيابه عنهم، بل وفي غزوة الخندق أيضا
حيث كان يقاتل في المدينة واستقرّ دون الخندق، عيّن لاهل المدينة المرجع لانشغاله
عنهم في الحرب.
إذا كان هذا دأب الرسول (ص) في
غيابه عن المدينة بعض يوم، كذلك في حال انشغاله عنهم بالحرب داخل المدينة، فماذا
فعل لاُمّته من بعده وهو يتركهم أبد الدهر ؟ هل تركهم هملا، ولم يعيّن لهم المرجع
من بعده ؟ هذا ما سندرسه في ما يأتي من فصول هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى.
25 الابواء : قرية من أعمال فراض على بعد 23 ميلا من المدينة، فيها قبر آمنة اُمّ
النبي (ص). وودّان : قرية على مرحلة من الجحفة بينها وبين الابواء ستّة أميال. معجم
البلدان.
26 بواط : من جبال جهينة من طريق الشام، وبين بواط والمدينة ثمانية برد، وبرد :
جمع البريد، ويبلغ البريد : اثني عشر ميلا. في معجم البلدان، بمادة : ((بواط)).
يبدو جليا مراعاة رسول اللّه (ص) في الغزوتين الاُوليين مشاعر الانصار القبلية حين
استخلف في الاُولى سيد الخزورج وفي الثانية سيّدا من الاوس.
27 كانت هذه الغزوة أيضا في ربيع الاوّل وبعد بواط. وسفوان : وادٍ بناحية بدر.
كرز بن جابر بن حسل الفهري : قتل يوم الفتح مع رسول اللّه (ص). راجع جمهرة أنساب
العرب لابن حزم في ذكر نسب بني محارب بن فهر، وبترجمته من الاصابة.
28 ذو العشيرة كما في التنبيه، بناحية ينبع يبعد عن المدينة تسعة برد.
وأبو سلمة : عبد اللّه بن عبد الاسد، اُمّه برّة عمة الرسول (ص) وابنة عبد المطلب.
هاجر إلى الحبشة ثمّ إلى المدينة. حضر بدرا وخرج في اُحد ومات منه في جمادى الاخرة
سنة ثلاث من الهجرة. راجع ترجمته في اُسد الغابة.
29 خرج الرسول (ص) من المدينة لثلاثٍ خلون من شهر رمضان ووقع القتال يوم الجمعة
السابع عشر منه.
30 قال أهل السيرة : لمّا قدم اليهود المدينة نزلوا السافلة منها، فاستوخموها
فأتوا العالية فنزل بنو النضير بطحان ونزلت بنو قريظة مهزورا ـ وهما واديان يهبطان
من حرة هناك ـ فاتّخذ بنو النضير الحدائق والاطام وأقاموا فيها، وأقاموا بها إلى
أن غزاهم النبيّ (ص) وأخرجهم منها. راجع مادة : (بطحان) و (مهزور) من معجم البلدان.
وأبو لبابة : بشير أو رفاعة بن عبد المنذر، اشتهر بكنيته، أحد النقباء في بيعة
العقبة،
راجع ترجمة بشير ورفاعة وأبي لبابة في اُسد الغابة.
31 العريض : وادي المدينة. معجم البلدان، مادة : (عُريض).
32 قرقرة الكدر : ناحية معدن بني سليم ممّا يلي حارة العراق إلى مكّة وهي على بعد
ثمانية أيام من المدينة. معجم البلدان، مادة : (قرقرة). سار إليها النبيّ في النصف
من المحرّم.
33 فَرَان : معدن بني سليم بناحية الفرع من المجاز. معجم البلدان ولسان العرب،
مادة : (فَرَان).
34 كانت منازل بني النضير من اليهود ببئر غرس بقبا وما والاها، وقبا : قرية على
ميلين من المدينة، وأصله اسم بئر هناك عرفت القرية به. معجم البلدان، مادة : (غرس)
و (قبا).
35 عبد اللّه بن رواحة الانصاري الخزرجي : كان نقيب بني الحارث في بيعة العقبة.
شهد المشاهد مع رسول اللّه (ص) وكان أحد الاُمراء الثلاثة الذين استشهدوا في مؤتة.
ترجمته في الاستيعاب واُسد الغابة.
36 ذات الرقاع : جبل قريب من النخيل ممّا يلي السعد والشقرة مختلفة ألوانه فيه بقع
حمر وسود وبيض. راجع ترجمة الغزوة من التنبيه والاشراف للمسعودي.
37 دومة الجندل : كانت حصنا مبنيا بالجندل في متّسع من الارض خمسة فراسخ، وهي على
سبع مراحل من دمشق، بينها وبين مدينة الرسول (ص) خمس عشرة ليلة. راجع مادة :
(دومة) بمعجم البلدان وترجمة الغزوة في التنبيه والاشراف للمسعودي، ذكر السنة
الخامسة.
38 ماء المريسيع : على طريق الفرع، والفرع ثمانية برد من المدينة.
39 أبو رهم؛ كلثوم بن الحصين : أسلم بعد قدوم النبيّ (ص) المدينة، شهد اُحدا فرمي
بسهم في نحره فبصق عليه النبيّ (ص) فبرئ. اُنظر ترجمته في اُسد الغابة.
40 بنو لحيان، نسبهم في جمهرة أنساب ابن حزم، ط. مصر سنة 1382، ص 196 ـ 198.
وعسفان بين مكّة والمدينة، اختلفوا في تعيين موضعه. معجم البلدان، مادة : (عسفان).
41 ذي قرد : من طريق خيبر، وكان عيينة بن حصن الفزاري أغار على لقاحه وهو بالغابة
وهي على بريد من المدينة أو أكثر. فخرج (ص) يوم الاربعاء لثلاث أو لاربع خلَون من
شهر ربيع الاوّل فاستنقذ بعضها وعاد إلى المدينة. التنبيه والاشراف، ذكر السنة
السادسة.
42 خرج الرسول (ص) يوم الاثنين هلال ذي القعدة للعمرة فصدّه المشركون عن دخول
مكّة، فأقام بالحديبية على تسعة أميال من مكة، ثمّ وقع الصلح بين الرسول وقريش على
أن يعتمر في السنة القادمة.
43 سباع بن عرفطة الغفاري : استعمله النبي على المدينة لمّا سار إلى خيبر وتيماء.
ترجمته باُسد الغابة.
44 سار النبي (ص) لستّ ليالٍ خلَونَ من ذي القعدة.
45 مسند أحمد 1 / 177.
46 صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب غزوة تبوك 3 / 58.
47 صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل عليّ بن أبي طالب، ح 32، وراجع أيضا
مسند أبي داود الطيالسي 1 / 29. وحلية الاولياء لابي نعيم 7 / 195 و 196. ومسند
أحمد 1 / 173، 182 و 330 و 4 / 153. وتأريخ بغداد للخطيب 11 / 432.
وخصائص النسائي ص 8 و 16. وطبقات ابن سعد 3 / ق 1 / 15.