الثاني  ـ  مناقشة  الاستدلال  بالبيعة :

عرفنا في ما سبق :

أنّ البيعة كالبيع تنعقد بالرضا والاختيار وليس بحدّ السيف والجبر.

وأنّه لا بيعة في المعصية.

ولا في خلاف ما أمر اللّه به.

وأنّه لا بيعة لمن يعصى اللّه.

وعرفنا أنّ أوّل بيعة اُخذت بعد رسول اللّه هي البيعة للخليفة أبي بكر، وعلى صحّتها تتوقّف صحّة بيعة الخليفة عمر، لانّها اُخذت بأمر من الخليفة أبي بكر. وعلى صحّة بيعة الخليفة عمر تتوقّف صحّة بيعة الخليفة عثمان، لانّها اُخذت بأمر من الخليفة عمر حين أمر أن يبايعوا من الستّة القرشيين من بايعه عبد الرحمن بن عوف، وأن يقتلوا من خالف.

وعرفنا كيف اُخذت البيعة للخليفة أبي بكر غلابا في سقيفة بني ساعدة، ثمّ بمساعدة قبيلة بني أسلم في سكك المدينة، وكيف حُمِلت النار إلى بيت فاطمة (ع) ابنة رسول اللّه (ص) لانّه قد تحصّن فيه من أبى أن يبايع، وأنّ بني هاشم لم يبايعوا مدّة حياة ابنة رسول اللّه (ص)، وأنّ الجنّ قتلت سعد بن عبادة بسهمين لانّه لم يبايع !

*          *          *

كان هذا شأن أخذ البيعة في المدينة. أمّا خارج المدينة، فكان شأن من امتنع عن بيعة الخليفة أبي بكر وأبى أن يدفع الزكاة لجباة الخليفة، قتل الرجال، وسبي النساء، وسلب الاموال.

كما كان شأن مالك بن نويرة عامل رسول اللّه (ص)(258) واُسرته من قبيلة تميم حين دهمهم جيش خالد بن الوليد ليلا، وأخذوا السلاح، فقال جيش خالد : إنّا المسلمون. فقال أصحاب مالك : ونحن المسلمون. فقال لهم جيش خالد : فإن كنتم كما تقولون، فضعوا السلاح. فوضعوه ثمّ صلّوا مع جيش خالد(259)، ثمّ أخذوهم إلى خالد بن الوليد، فأمر بضرب عنق مالك. فالتفت مالك إلى زوجته وقال لخالد : هذه التي قتلتني ـ وكانت في غاية الجمال ـ فقال خالد : بل اللّه قتلك برجوعك عن الاسلام. فقال مالك : إنّا على الاسلام. وبعد قتله أمر خالد برأسه فنصب أثفية للقدر وتزوّج بامرأته في تلك الليلة ولمّا يدفن مالك(260).

وكما كان شأن قبائل كندة، فإنّ زياد بن لبيد البياضي عامل أبي بكر أخذ ناقة لفتى من كندة، فسأله الكندي أخذ غيرها فأبى ذلك، لانّه وسمها بميسم الصدقة(261). فذهب الفتى إلى رجل من سادات كندة يقال له : حارثة بن سراقة، وقال له : يا ابن عمّ إنّ زياد بن لبيد قد أخذ لي ناقة فوسمها وجعلها مع إبل الصدقة، وأنا مشغوف بها، فإن رأيت أن تكلّمه فيها فلعلّه أن يطلقها ويأخذ غيرها من إبلي. فأقبل حارثة إلى زياد وقال له : إن رأيت أن تردّ ناقة هذا الفتى عليه وتأخذ غيرها فعلت منعما. فقال زياد : قد وضع عليها ميسم الصدقة. فترادّا الكلام، فأقبل حارثة إلى إبل الصدقة فأخرج الناقة بعينها، وقال للفتى : خذ ناقتك فإن كلّمك أحد ساُحطّم أنفه بالسيف وقال :

نحن إنّما أطعنا رسول اللّه (ص) إذ كان حيّا، ولو قام رجل من أهل بيته لاطعناه؛ وأمّا ابن أبي قحافة فلا واللّه ما له في رقابنا طاعة ولا بيعة. وأنشأ أبياتا من جملتها :

أطعنا رسول اللّه إذ كان بيننافيا عجبا ممّن يطيع أبا بكر

فقال له الحارث بن معاوية من سادة كندة : إنّك لتدعو إلى طاعة رجل لم يعهد إلينا ولا إليكم فيه عهد.

فقال له زياد : صدقت ولكنّا اخترناه لهذا الامر.

فقال له الحارث : أخبرني لِمَ نحّيتم عنها أهل بيته ؟ وهم أحقّ الناس بها لانّ اللّه عزّ وجلّ يقول : ( وَاُولُو الارْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّه ) الاحزاب / 6.

فقال له زياد : إنّ المهاجرين والانصار أنظر لانفسهم منك !

فقال له الحارث : لا واللّه ما أزلتموها عن أهلها إلاّ حسدا منكم، وما يستقرّ في قلبي أنّ رسول اللّه (ص) خرج من الدنيا ولم ينصب للناس عَلَما يتّبعونه، فارحل عنّا أيّها الرجل فإنّك تدعو إلى غير رضا. ثمّ أنشأ الحارث يقول :

كان الرسول هو المطاع فقد مضى‌صلّى عليه اللّه لم يستخلف

فأرسل زياد إبل الصدقة أمامه إلى المدينة، ثمّ سار إلى المدينة وأخبر أبا بكر، فجهّزه في أربعة آلاف مقاتل. فسار زياد يريد حضرموت وفي طريقه كان يباغت قبائل كندة ويقتل منهم ويستأسر، مثل بني هند الذين هاجمهم وقتل منهم جماعة واحتوى على نسائهم وذراريهم.

ووافى حيّ بني العاقل من كندة غافلين، فلمّا أشرفت الخيل عليهم تصايحت النساء واقتتل الرجال ساعة ووقعت الهزيمة عليهم، واحتوى زياد نساءهم وأموالهم.

وكبس بخيله في جوف الليل حيّ بني حجر من كندة، فقتل منهم مائتي رجل، وأسر خمسين، وفرّ الباقون، واحتوى على النساء والاولاد.

ثمّ قاتله الاشعث بن قيس وحاصره في مدينة (تيم) واسترجع منه الاموال والذراري وردّها إلى أهلها، فأرسل الخليفة إلى الاشعث كتابا يسترضيه فقال الاشعث للرسول :

إنّ صاحبك أبا بكر يلزمنا الكفر بمخالفتنا له، ولا يلزم صاحبه الكفر بقتله قومي وبني عمّي.

فقال له الرسول : نعم يا أشعث ! يلزمك الكفر لانّ اللّه تبارك وتعالى قد أوجب عليك الكفر بمخالفتك لجماعة المسلمين.

فضربه غلام من بني عمّ الاشعث بسيفه فقتله، واستحسن فعله الاشعث فغضب من ذلك عامة أصحاب الاشعث حتّى بقي في قريب من ألفي رجل.

فكتب زياد إلى أبي بكر يخبره بقتل الرسول وأنّهم محاصرون. فاستشار الخليفة المسلمين في ما يصنع فأشار عليه أبو أيوب الانصاري وقال :

إنّ القوم كثير عددهم وإذا همّوا بالجمع جمعوا خلقا كثيرا، فلو صرفت عنهم الخيل في عامك هذا رجوت أن يحملوا الزكاة إليك بعد هذا العام طائعين.

فقال أبو بكر : واللّه لو منعوني عقالا واحدا ممّا كان النبي وظفه عليهم لقاتلتهم عليه أبدا أو ينيبوا إلى الحقّ. ثمّ كتب إلى عكرمة بن أبي جهل أن يسير بمن أجابه من أهل مكّة إلى زياد ويستنهض من مرّ عليه من أحياء العرب. فخرج في ألفي فارس من قريش ومواليهم وأحلافهم، ثمّ سار إلى مأرب. وبلغ ذلك أهل دبا فغضبوا وقالوا نشغله عن محاربة بني عمّنا من كندة، وأخرجوا عامل أبي بكر. فكتب أبو بكر إليه أن يسير إليهم، وأن لا يقصر فيهم، وإذا فرغ منهم أن يبعث بهم اُسراء. فسار إليهم عكرمة وقاتلهم وحاصرهم، فسألوا الصلح وأن يؤدّوا الزكاة، فأبى إلاّ أن ينزلوا على حكمه، فأجابوه. فدخل عكرمة حصنهم، وقتل أشرافهم صبرا، وسبى نساءهم وأولادهم، وأخذ أموالهم ووجّه بالباقين إلى أبي بكر، فهمّ أن يقتل الرجال ويقسم النساء والذرية، فقال له عمر :

يا خليفة رسول اللّه، إنّ القوم على دين الاسلام يحلفون باللّه مجتهدين ما كنّا رجعنا عن دين الاسلام. فحبسهم أبو بكر إلى أن توفّي وأطلق عمر سراحهم على عهده.

فسار عكرمة إلى زياد فبلغ خبره الاشعث فانحاز إلى حصن النجير وجمع فيه نساءه ونساء قومه. فبلغ ذلك قبائل كندة ممّن كان تفرّق عن الاشعث لمّا قتل رسول أبي بكر فتلاوموا أن يتركوا بني عمّهم محاصرين، فسارت لقتال زياد، فجزع لذلك فقال له عكرمة : أرى أن تقيم محاصرا لمن في الحصن وأمضي أنا فألقى هؤلاء القوم، فقال له زياد : نعم ما رأيت، ولكن إن ظفر اللّه بهم فلا ترفع السيف حتّى تبيدهم عن آخرهم.

فقال عكرمة : لست آلو جهدا في ما أقدر عليه.

فسار عكرمة حتّى وافى القوم فتقاتلوا وكانت الحرب بينهم سجالا

والاشعث لا يعلم عن ذلك شيئا، وطال عليهم الحصار واشتدّ بهم الجوع والعطش، فطلب من زياد الامان له ولاهل بيته وعشرة من وجوه أصحابه وكتب بينهم، فبعث زياد الكتاب إلى عكرمة، فأخبر عكرمة قبائل كندة بذلك وأراهم الكتاب، فتركوا القتال وانصرفوا، ودخل زياد الحصن وأخذ يضرب أعناق المقاتلة صبرا، ووافاه كتاب أبي بكر أن يحمل من نزل على حكمه إلى المدينة، فصفد من بقي منهم بالحديد وأرسلهم إلى المدينة(262).

هكذا تمّت بيعة الخليفة أبي بكر والتي يصفها الخليفة عمر بأنّها كانت فلتة، وعليها بنيت خلافة الخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان وبها يستدلّون.

 الثالث  ـ  مناقشة  الاستدلال  بعمل  الصحابة :

إنّ الاستدلال بعمل الصحابة يتمّ لو كانت سيرتهم مصدرا للتشريع

الاسلامي في عداد الكتاب والسنّة ونزل فيهم ما نزل في رسول اللّه (ص) مثل

قوله تعالى :

( لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ اُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) الاحزاب / 21.

وقوله :

( ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) الحشر / 7.

وبدون ذلك لا حجّة علينا في عمل الصحابة. ثمّ لسنا ندري بمن نقتدي، وعمل بعضهم وأقوالهم يخالف البعض الاخر، ومن ثمّ اختلفت آراء العلماء في كيفية إقامة الخلافة، أتقام ببيعة رجل لانّ العباس عمّ النبي (ص) قال لعليّ (ع) : (اُمدد يدك اُبايعك يبايعك الناس)؟ أم بقول الخليفة عمر حين قال : (بيعة أبي بكر فلتة)؟ أم نقتدي بمعاوية حين شهر السيف في وجه الخليفة الشرعي الامام علي (ع) ؟ ولا نرى حاجة إلى المناقشة أكثر ممّا بيّنا. أمّا ما استدلّ بعضهم بقول الامام علي في نهج البلاغة، فسندرسه في ما يأتي :

 


258  راجع ترجمته في الاصابة 3 / 336، رقم الترجمة : 7698.

259  تأريخ الطبري، ط. اوربا 1 / 1927 ـ 1928. وراجع تأريخ اليعقوبي، ط. بيروت 2 / 131.

260  راجع تأريخ أبي الفداء ص 158. ووفيات الاعيان، ترجمة وثيمة. وكذلك فوات الوفيات. وبقية المصادر مع تفصيل الخبر في كتاب عبد اللّه بن سبأ، ط. بيروت سنة 1403 ه‍‍ ، 1 / 185 ـ 191.

261  فتوح البلدان، ردّة بني وليعة والاشعث بن قيس.

262  لقد لخّصنا الخبر ممّا رواه البلاذري في فتوح البلدان في ذكر ردّة بني وليعة، والاشعث بن قيس الكندي ص 122 ـ 123. والحموي في مادة : حضرموت من معجم البلدان. وفتوح ابن أعثم 1 / 57 ـ‍ 85. وتمام الخبر في عبد اللّه بن سبأ 2 / 393 ـ 410.