ج  ـ  غزوة  الخندق :

روى الواقدي والمقريزي عن بدء غزوة الخندق وقالا :

((وشاورهم رسول اللّه (ص). وكان رسول اللّه يكثر مشاورتهم في الحرب... فأشار عليهم سلمان بحفر الخندق)).

وأخبرا كذلك عن مشاورة اُخرى في آخر أيام القتال وقالا :

وأقام (ص) وأصحابه محصورين بضع عشرة ليلة حتّى اشتدّ الكرب، وقال (ص) : ((اللّهم إنّي اُنشدك عهدك ووعدك؛ اللّهم إنّك إن تشأ لا تُعبَد)).

وأرسل إلى عُيَينة بن حصن، والحارث بن عوف ـ وهما رئيسا غطفان ـ أن يجعل لهما ثلث ثمر المدينة ويرجعا بمن معهما، فطلبا نصف الثمر فأبى عليهم إلاّالثلث، فرضيا. وجاءا في عشرة من قومهما حتّى تقارب الامر، واُحضرت الصحيفة والدواة ليكتب عثمان بن عفّان (رض) الصلح ـ وعبّاد بن بشر قائم على رأس رسول اللّه (ص) مقنّع في الحديد ـ ، فأقبل اُسيد بن حضير، وعُيَينة مادّ رجليه فقال له : يا عين الهِجرس، اقبض رجليك. أتمدّ رجليك بين يدي رسول اللّه (ص) ! ؟ واللّه لولا رسول اللّه لانفذت حضنيك بالرمح ! ثمّ قال : يا رسول اللّه صلّى اللّه عليك، إن كان أمرا من السماء فامضِ له، وإن كان غير ذلك فواللّه لا نعطيهم إلاّ  السيف. متى طمعتم بهذا منّا ؟ فدعا رسول اللّه (ص) سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فاستشارهما خفية، فقالا : إن كان هذا أمرا من السماء فامضِ له، وإن كان أمرا لم تُؤمر فيه ولك فيه هوىً فسمع وطاعة، وإن كان إنّما هو الرأي فما لهم عندنا إلاّ السيف.

فقال رسول اللّه (ص) : ((إنّي رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة فقلت اُرضيهم ولا اُقاتلهم))، فقالا : يا رسول اللّه، واللّه إن كانوا ليأكلون العِلْهِز في الجاهلية من الجهد، ما طعموا بهذا منّا قطّ : أن يأخذوا ثمرة إلاّ بشراء أو قِرىً ! فحين أتانا اللّه بك وأكرمنا بك؛ وهدانا بك، نعطي الدنيّة ! ؟ لا نعطيهم أبدا إلاّ السيف. فقال (ص) : ((شقّ الكتاب)) فشقّه سعد، فقام عُيَينة والحارث.

فقال (ص) : ((ارجعوا بيننا السيف)) رافعا صوته.

كانت هذه قصة استشارة الرسول (ص) أصحابه في هذه الغزوة، ويظهر من محاورة الرسول (ص) فيها أنّه ـ صلوات اللّه عليه ـ أراد أن يوقع الخلاف بين القبائل المحاربة، وخاصة أنّ في آخره يرفع صوته ويقول : ((ارجعوا بيننا السيف)) فإنّ هذا الخبر ينتشر ويبلغ قريشا ويقع بينهم الخلاف، وقد رويا بعد هذا : أنّ رسول اللّه (ص) أمر نعيم بن مسعود لذلك ونجح، فألقى الشكّ والترديد والخلاف بين بني قريظة وقريش وكان ذلك من أسباب انكسارهم(257).

في ضوء ما بيّناه من مشاورات الرسول (ص) يتّضح لنا جليّا أنّه لم

تكن الغاية من تلك المشاورات أن يتعلّم الرسول (ص) من أصحابه الرأي الصائب ليعمل به، بل كانت الغاية أحيانا أن يعلّمهم الرسول (ص) باُسلوب المشورة الرأي الصائب الذي كان يعلمه الرسول (ص) مسبقا ليعملوا به.

كما كان شأن مشورته إيّاهم في غزوة بدر، فإنّ اللّه كان قد أعلم رسوله (ص) النتيجة مسبقا من أنّهم سيقاتلون قريشا وينتصرون عليهم، وبعد المشاورة أعلمهم الرسول (ص) نتيجة الامر، وأراهم مصارع قريش. إذا كانت الغاية من المشاورة توجيه المسلمين باُسلوب المشاورة إلى ما ينبغي أن يعملوه خلافا لاُسلوب الملوك الجبّارين الذين يُملون آراءهم على الناس بقولهم مثلا : نحن ملك... أصدرنا أمرنا الملكي بكذا...

وإنّ صدر الاية يدلّ بوضوح على ما ذكرنا، فإنّه تعالى قال : ( فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ  اللّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظَّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الامْرِ... ) آل عمران / 159. فالمشاورة هنا من مصاديق الليونة وكونها رحمة من اللّه، اللتين وردتا في صدر الاية.

إذا فتارةً تكون الغاية من المشاورة الملاينة كالمثال السابق، وتارةً تكون الغاية تربية نفوس المسلمين، كما كان شأن المشاورة في غزوة اُحد، فإنّ رسول اللّه (ص) بعد أن أخذ برأيهم ولبس لامة حربه بقصد السير إلى اُحد، ندموا على إلحاحهم على الرسول (ص) بالخروج، وقالوا : يا رسول اللّه (ص) ما كان لنا أن نخالفك، فاصنع ما بدا لك. فقال : ((قد دعوتكم إلى هذا فأبيتم، ولا ينبغي لنبيّ إذا لبس لامته أن يضعها حتّى يحكم اللّه بينه وبين أعدائه)).

يظهر من المحاورات التي دارت بين الرسول (ص) وأصحابه في هذه الواقعة، أنّ عدم استجابة الرسول (ص) لرغبتهم العارمة في الخروج كان يؤثّر على نفوسهم تأثيرا سيئا، ويولد فيهم ضعف النفس والتردّد وعدم الاقدام في

الحروب، ومن أجل ذلك أخذ برأيهم مع علمه بأنّ رأيهم غير صائب. أمّا في غزوة الخندق، فقد كانت المشاورة كيدا كاد به المشركين، وقد نجحت خطّته صلوات اللّه عليه وآله.

 


257  مغازي الواقدي 2 / 477 ـ 480. وإمتاع الاسماع للمقريزي ص 235 ـ 236.

والعلهز : كان أهل الجاهلية في سنيّ القحط والمجاعة يخلطون الوبر بالدم ويشوونه ويأكلونه ويسمّونه العلهز.

الهجرس : ولد الثعلب، وقيل هو القرد أو دويبة اُخرى.