ب  ـ  غزوة  اُحد :

كانت تلكم مشاورة الرسول (ص) أصحابه في غزوة بدر. وفي ما يلي قصّة مشاورة الرسول أصحابه في غزوة اُحد، وفي هذه المشاورة عمل رسول اللّه (ص) برأي أصحابه، كما ورد في مغازي الواقدي وإمتاع الاسماع للمقريزي(245)،

قالا :

إنّ رسول اللّه (ص) صعد على المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه ثمّ قال : ((أيّها الناس، إنّي رأيت في منامي رُؤيا : رأيت كأنّي في درع حصينة، ورأيت كأنّ سيفي ذا الفقار انقصم(246) من عند ظّبته(247)، ورأيت بقرا تذبح؛ ورأيت كأنّي مُردِفٌ كبشا)).

فقال الناس : يا رسول اللّه (ص)، فما أوّلتها ؟ قال :

((أمّا الدرع الحصينة فالمدينة، فامكثوا فيها. وأمّا انقصام سيفي من عند ظبّته فمصيبة في نفسي. وأمّا البقر المذبّح فقتلى في أصحابي. وأمّا أنّي مردف كبشا فكبش الكتيبة نقتله إن شاء اللّه)).

وفي رواية :

((وأمّا انقصام سيفي فقتل رجل من أهل بيتي)). وقال : ((أشيروا عليّ)) ورأى رسول اللّه (ص) ألاّ يخرج من المدينة فوافقه عبد اللّه بن اُبيّ والاكابر من الصحابة مهاجروهم وأنصارهم، وقال (ع) : ((امكثوا في المدينة واجعلوا النساء والذراري في الاطام، فإن دُخِل علينا قاتلناهم في الازقّة ـ فنحن أعلم بها منهم ـ ورُمُوا من فوق الصياصي والاطام))(248). وكانوا قد شبّكوا المدينة بالبنيان من كلّ ناحية فهي كالحصن، فقال فتيان أحداث لم يشهدوا بدرا وطلبوا الشهادة وأحبّوا لقاء العدوّ : اُخرج بنا إلى عدوّنا. وقال حمزة، وسعد ابن عبادة، والنعمان بن مالك بن ثعلبة، في طائفة من الانصار : إنّا نخشى يا رسول اللّه أن يظنّ عدوّنا أنّا كرهنا الخروج إليهم جُبنا عن لقائهم، فيكون هذا جرأة منهم علينا؛ وقد كنت يوم بدر في ثلاثمائة رجل فظفرك اللّه عليهم، ونحن اليوم بشر كثير؛ قد كنّا نتمنّى هذا اليوم وندعو اللّه به، فساقه اللّه إلينا في

ساحتنا. ورسول اللّه (ص) لِما يرى من إلحاحهم كاره؛ وقد لبسوا السلاح.

وقال حمزة : والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم اليوم طعاما حتّى اُجالدهم(249)

بسيفي خارجا من المدينة، وكان يوم الجمعة صائما ويوم السبت صائما. وتكلّم مالك بن سنان والد أبي سعيد الخُدري، والنعمان بن مالك بن ثعلبة،  إياس بن أوس بن عتيك، في معنى الخروج للقتال. فلمّا أبَوا إلاّ ذلك صلّى(250) رسول اللّه (ص) الجمعة بالناس وقد وعظهم وأمرهم بالجدّ والجهاد؛ وأخبرهم أنّ لهم النصر ما صبروا. ففرح الناس بالشخوص(251) إلى عدوّهم، وكره ذلك المخرج كثير. ثمّ صلّى رسول اللّه (ص) العصر بالناس وقد حشدوا،  وحضر(252) أهل العوالي(253) ورفعوا النساء في الاطام، ودخل (ص) بيته ومعه أبو بكر وعمر (رض) فعمّماه ولبّساه. وقد صفّ الناس له ما بين حجرته إلى منبره، فجاء سعد بن معاذ واُسيد بن حُضير فقالا للناس : قلتم لرسول اللّه (ص) ما قلتم واستكرهتموه على الخروج، والامر ينزل عليه من السماء، فردّوا الامر إليه فما أمركم فافعلوه، وما رأيتم فيه له هوىً أو رأي فأطيعوه. فبينا هم على ذلك إذ خرج رسول اللّه (ص) قد لبس لامته(254)، ولبس الدرع فأظهرها وحزم وسطها بمِنْطَقَة(255) [ من أدم ](256) من حمائل سيف، واعتمّ، وتقلّد السيف. فقال

الذين يلحّون : يا رسول اللّه، ما كان لنا أن نخالفك، فاصنع ما بدا لك، فقال : ((قد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم، ولا ينبغي لنبيّ إذا لبس لامته أن يضعها حتّى يحكم اللّه بينه وبين أعدائه، انظروا إلى ما أمرتكم به فاتّبعوه، امضوا على اسم اللّه فلكم النصر ما صبرتم)).

*          *          *

لعلّ الحكمة في استجابة رسول اللّه (ص) لالحاح أصحابه في الخروج أنّه لو لم يستجب لهم الرسول لاثّر في أنفسهم تأثيرا سيئا، وأولد فيهم الضعف والاستكانة بدل الاقدام والشجاعة، أمّا عدم استجابته لهم بعد أن طابقوا رأيه فقد ذكر هو (ص) حكمته.

مثال آخر من عمل الرسول برأي أصحابه في ما أشاروا عليه : قصّة جرت في غزوة الخندق نوردها في ما يأتي :

 


245  مغازي الواقدي ص 208 ـ 214. وإمتاع الاسماع للمقريزي ص 113 ـ 118.

246  انقصم : تكسّر وتثلّم.

247  الظبّة : حدّ السيف من قبل ذبابه وطرفه.

248  الصياصي جمع صيصية : وهي الحصون، والاطام جمع أطم : وهي بيوت من حجارة كانت لاهل المدينة.

249  جالد بالسيف  : ضرب به كأ نّه يجلد بسوط لسرعة ضربه وتتابعه .

250  في الاصل : (صلّى اللّه).

251  الشخوص : الخروج.

252  في الاصل : (حضرو).

253  العوالي : ضيعة بينها وبين المدينة ثلاثة أميال.

254  اللامة : أداة الحرب ولباسها، كالرمح والبيضة والسيف والنبل.

255  المنطقة والنطاق، كلّ ما يشدّ به الوسط كالحزام.

256  الذي بين المعقوفتين كان في الاصل بعد قوله : (حمائل سيف)، وهذا حقّ موضعه.