سادسا ـ الامر واُولو الامر :
لمعرفة معنى (الامر) و (اُولي
الامر) وهل هما مصطلحان شرعيّان أم لا ؟
نستعرض في ما يلي موارد استعمالهما
في لغة العرب وعرف المسلمين والنصوص الاسلامية كتابا وسنّة، فنقول :
أ ـ في لغة العرب :
ورد في سيرة ابن هشام، والطبري،
وغيرهما، أنّ رسول اللّه كان يعرض نفسه في المواسم على قبائل العرب، يدعوهم إلى
الاسلام، ويخبرهم أنّه نبيّ مرسل من قِبَل اللّه، ويسألهم أن يصدّقوه ويمنعوه حتّى
يبيّن عن اللّه ما بعثه به.
قال : وإنّه أتى بني عامر بن صعصعة
ذات مرّة فدعاهم إلى اللّه عزّ وجلّ، وعرض عليهم نفسه، فقال له رجل منهم يقال بيحرة
بن فراس(233) : واللّه لو أنّي أخذت هذا الفتى من قريش لاكلت به العرب. ثمّ قال له
: أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك ثمّ أظهرك اللّه على من خالفك، أيكون لنا الامر من
بعدك ؟
قال : ((الامر إلى اللّه يضعه حيث
يشاء))، قال : فقال له : أفنُهدف نحورنا(234)
للعرب دونك فإذا أظهرك اللّه كان
الامر لغيرنا ؟ ! لا حاجة لنا بأمرك(235).
*
*
*
إنّ هذا العربي كان يفهم (أمر رسول
اللّه (ص)) على أنّه سيادة وحكم على العرب، فأراد أن يعقد مع الرسول (ص) حلفا يكون
لقبيلته الحكم والسيادة على العرب من بعد الرسول (ص)، لكنّ الرسول (ص) امتنع من
إجابته رغم حاجته الشديدة يومذاك إلى المؤازرين، لانّ الامر ليس إليه وإنّما الامر
إلى اللّه يضعه حيث يشاء.
وكذلك كان شأن هوذة بن علي الحنفي
في طلبه من الرسول (ص) حين دعاه الرسول (ص) إلى الاسلام كما في طبقات ابن سعد، ما
ملخّصه :
كتب رسول اللّه (ص) إلى هوذة بن
علي الحنفي يدعوه إلى الاسلام، فكتب في جواب النبيّ (ص) : ما أحسن ما تدعو إليه
وأجمله، وأنا شاعر قومي وخطيبهم والعرب تهاب مكاني، فاجعل لي بعض الامر أتّبعك،
فقال النبي (ص) : ((لو سألني سيابة من الارض ما فعلت))(236).
نرى أنّ الرسول (ص) قصد من (سيابة)
: الارض المهملة. إذا فقد طلب هوذة من الرسول (ص) أن يجعل له بعض الامر : إمارة ما
على أرض أو قبيلة وما شابههما، فأجابه الرسول (ص) أنّه لا يؤمّره ولا على سيابة من
الارض، وهذا القول من الرسول (ص) نظير قول أهل الكوفة أو البصرة عندما وظّف واليهم
على كلّ واحد منهم نقل كمّية من الحصباء إلى مسجدهم الجامع ليفرشه بالحصباء، وأمّر
عليهم أحدهم وكان يتصعّب في قبول الحصباء
منهم، فقالوا : يا حبّذا الامارة
ولو على الحجارة ! وكذلك الامر في الخبر السابق، فإنّ هوذة طلب من الرسول الامامة
(ولو على الحجارة) فأجابه الرسول (ص) : لا، ولا على الحجارة.
233
قال ابن هشام : فراس، ابن عبد اللّه بن سلمة بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر ابن
صعصعة. سيرة ابن هشام 2 / 33.
234
( أفنهدف نحورنا ) معناه نصيّرها هدفا ، والهدف : الغرض الذي يرمى بالسهام إليه .
235
سيرة ابن هشام 2 / 31 ـ 34. والطبري، ط. اوربا 1 / 1205 ـ 1206.
236
طبقات ابن سعد، ط. اوربا 1 / ق 2 / 18.
وقالوا في السيابة : واحدة السياب : البسر الاخضر، وعلى هذا لم يكن من المناسب أن
يقول ولا سيابة أي لا بسر من الارض بل كان المناسب أن يقول ولا بسر من التمر. ونرى
أنّ السيابة مشتقّة من السيب وهو كلّ سيب وخلي، ومنه السائبة : أي الدابّة المهملة،
ويكون المعنى : الارض الخالية والمتروكة.