يؤتي اللّه خلفاءه ما يعجز
عنه البشر :
أحيانا تقتضي حكمة اللّه أن يأتي
خليفته ـ الذي جعله إماما للناس ومبلّغا لكتابه وشريعته ـ بآية تدلّ على صدقه في ما
يبلّغ عن اللّه، وتسمّى تلك الاية في العرف الاسلامي بالمعجزة؛ لعجز البشر عن
الاتيان بمثلها. كما أخبر اللّه تعالى عن بعض ما أتى به رسولاه موسى وعيسى (ع) وقال
في خبر ما أتى به كليمه موسى (ع) :
أ ـ في سورة الاعراف :
( فَألْقى عَصاهُ فَإذا هِيَ
ثُعْبانٌ مُبِين ) (107).
( وَنَزَعَ يَدَهُ فَإذا هِيَ
بَيْضاءُ لِلناظِرِينَ ) (108).
( وَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ
عَصاكَ فَإذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأفِكُونَ ) (117).
( وَأوْحَيْنا إلى مُوسى إذ
اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا
عَشرَةَ عَيْنا قَدْ عَلِمَ كُلُّ اُناسٍ مَشْرَبَهُمْ ) (160).
ب ـ في سورة الشعراء :
( فَألْقى عَصاهُ فَإذا هِيَ
ثُعْبانٌ مُبِين ) (32).
( فَألْقى مُوسى عَصاهُ فَإذا هِيَ
تَلْقَفُ ما يَأفِكُون ) (45).
( فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ
اضْربْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ العَظِيم )
(63).
وأخبر جلّ ذكره عمّا آتى رسوله
عيسى بن مريم (ع) في سورة المائدة، فقال تعالى :
( ... إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ
القُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي المَهْدِ وَكَهْلا وَإذْ عَلَّمْتُكَ
الكِتابَ وَالحِكْمَةَ
وَالتَّوْراةَ وَالانْجِيلَ وَإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ
بِإذْنِي فَتَنْفخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرا بِإذْنِي وَتُبْرِئُ الاكْمَهَ
وَالابْرَصَ بِإذْنِي وَإذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإذْني... ) (110).
وفي سورة آل عمران حكى عن عيسى (ع)
أنّه قال :
( ... وَاُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ
اللّهِ وَاُنَـبِّـئُـكُمْ بِما تَأكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي
بُيُوتِكُمْ... ) (49).
وأخبر تعالى عما آتى داود وسليمان
الوصيين على شريعته في سورة الانبياء وقال عزّ اسمه :
( وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ
الجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ) (79).
( وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ
عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ...
*
وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلا دُونَ ذلِكَ ) (81
ـ 82).
وليس من الضروري أن يؤتي اللّه
جميع الائمة جميع المعجزات كما لم يذكر سبحانه عن هود ولوط وشعيب أنّه آتاهم معجزات
موسى وعيسى وداود وسليمان صلوات اللّه عليهم أجمعين، وكذلك لم يمكِّن الناس بعض
الرسل من أن يحكموا بينهم بالعدل، وكذلك لم يتسنَّ للرسول موسى (ع) ولخاتم الرسل
محمد (ص) أن يحكما بين الناس في أوّل أمرهما، بينما هم أئمة خلفاء منذ بدء تكليفهم
بالتبليغ. إذا فإنّ الخلافة والامامة ملازمتان لتعيين اللّه صفيّا من أصفيائه
لتبليغ كتابه ودينه، وليستا ملازمتين للحكم بين الناس وإتيان المعجزات. وبناءً على
ذلك فإنّ خليفة اللّه هو المبلّغ عن اللّه.
كان ذلكم معنى خليفة اللّه في كتاب
اللّه. وورد معنى خليفة الرسول (ص) في حديث الرسول (ص) كالاتي :
((اللّهم ارحم خلفائي، اللّهم ارحم
خلفائي، اللّهم ارحم خلفائي)).
قيل له : يا رسول اللّه ! من
خلفاؤك ؟
قال : ((الذين يأتون من بعدي يروون
حديثي وسنّتي))(223).
إذا فإنّ خليفة اللّه هو الذي
عيّنه اللّه لتبليغ شريعته، وخليفة الرسول هو الذي يقوم بتبليغ حديث الرسول وسنّته
من تلقاء نفسه.
كذلك استعمل مصطلحا خليفة اللّه
وخليفة الرسول في الكتاب والسنّة واستعملا في مصطلح المسلمين كالاتي بيانه:
223
راجع مصادره في المجلّد الثاني من هذا الكتاب (ط. 3، ص 58 ـ 59).