3 ـ بيعة الرضوان، أو بيعة
الشجرة :
في سنة سبع من الهجرة، استنفر رسول
اللّه (ص) أصحابه للعمرة فخرج معه ألف وثلاثمائة، أو ألف وستمائة، ومعه سبعون بدنة،
وقال : لست أحمل السلاح، إنّما خرجت معتمرا. وأحرموا من ذي الحليفة، وساروا حتّى
دنوا من الحديبية على تسعة أميال من مكّة، فبلغ الخبر أهل مكّة فراعهم، واستنفروا
من أطاعهم من القبائل حولهم وقدّموا مائتي فارس عليهم خالد بن الوليد أو عكرمة بن
أبي جهل، فاستعدّ لهم رسول اللّه (ص) وقال : إنّ اللّه أمرني بالبيعة. فأقبل الناس
يبايعونه على ألاّ يفرّوا، وقيل : بايعهم على الموت، وأرسلت قريش وفدا للمفاوضة،
فلمّا رأوا ذلك تهيّبوا وصالحوا رسول اللّه (ص)...(205).
هذه ثلاثة أنواع من البيعة على عهد
الرسول (ص) وهي :
أ ـ البيعة على الاسلام.
ب ـ البيعة على إقامة الدولة
الاسلامية.
ج ـ البيعة على القتال.
والبيعة الثالثة تجديد للبيعة
الثانية، وذلك لانّ الرسول (ص) كان قد
استنفرهم للعمرة. وبعد تبدّل
الحالة من العمرة إلى القتال، كانت الحالة الحادثة مخالفة للعمل الذي استنفرهم له
وخرجوا من أجله، فكأنّه كان مخالفا لما عاهدهم عليه، فلذلك احتاج إلى أخذ البيعة
للقيام بالعمل الجديد، وفعل ذلك وأعطى ثمرة في إرعاب أهل مكّة، وحصول النتيجة
المطلوبة. ونختم البحث بستّ روايات وردت في البيعة وطاعة الامام :
1 ـ روى ابن عمر قال : كنّا نبايع
رسول اللّه (ص) على السمع والطاعة ثمّ يقول لنا : ((في ما استطعت))(206).
2 ـ وفي رواية، وقال عليّ : ((ما
استطعتم))(207).
3 ـ وفي رواية، وقال جرير : قال :
((قل : في ما استطعت))(208).
4 ـ وروى الهرماس بن زياد قال :
مددت يدي إلى النبي (ص) وأنا غلام ليبايعني، فلم يبايعني(209).
وعن ابن عمر قال : قال رسول اللّه
(ص) :
((على المءر المسلم السمع والطاعة
في ما أحبّ وكره، إلاّ أن يؤمر
بمعصية، فإذا اُمر بمعصية فلا سمع
ولا طاعة))(210).
5 ـ وعن ابن مسعود قال :
قال (ص) : ((سيلي اُموركم بعدي
رجال يطفئون السنّة ويعملون بالبدعة، ويؤخّرون الصلاة عن مواقيتها)). فقلت : يا
رسول اللّه ! إن أدركتهم كيف أفعل ؟ قال : ((تسألني يا ابن اُمّ عبد كيف تفعل ؟ لا
طاعة لمن عصى اللّه))(211).
6 ـ وعن عبادة بن الصامت في حديث
طويل آخره :
((فلا طاعة لمن عصى اللّه تبارك
وتعالى فلا تعتلوا بربّكم))(212).
وفي رواية :
((لا تضلوا بربكم))(213).
يتّضح لنا من دراسة البيعة في سنّة
الرسول (ص) أنّ للبيعة ثلاثة أركان :
أ ـ المبايع.
ب ـ المبايع له.
ج ـ المعاهدة على الطاعة للقيام
بعمل ما.
وتقوم البيعة أوّلا على تفهّم ما
يطلب الطاعة على القيام به، ثمّ تنعقد
المعاهدة بضرب يد المبايع على يد
المبايع له بالكيفية الواردة في السنّة، والبيعة على هذا مصطلح شرعي، غير أنّ شروط
تحقّق البيعة المشروعة في الاسلام غير واضحة لكثير من المسلمين اليوم، فنقول :
تنعقد البيعة في الاسلام إذا
توفّرت فيها الشروط الثلاثة التالية :
أ ـ أن يكون المبايع ممّن تصحّ منه
البيعة، ويبايع مختارا.
ب ـ أن يكون المبايع له ممّن تصحّ
مبايعته.
ج ـ أن تكون البيعة لامر يصحّ
القيام به.
وعلى ما بيّنا لا تصحّ البيعة من
صبي أو مجنون، لانّهما غير مكلّفين بالاحكام في الاسلام، ولا تنعقد بيعة المكره،
لانّ البيعة مثل البيع، فكما لا ينعقد البيع بأخذ المال من صاحبه قهرا ودفع الثمن
له، كذلك البيعة لا تنعقد بأخذها بالجبر وفي ظلّ السيف.
وكذلك لا تصحّ البيعة للمتجاهر
بالمعصية، ولا تصحّ البيعة للقيام بمعصية اللّه. إذا فالبيعة مصطلح إسلامي، ولها
أحكامها في الشرع الاسلامي.
205
إمتاع الاسماع للمقريزي ص 274 ـ 291.
206
صحيح البخاري، كتاب الاحكام، باب البيعة، ح 5. وصحيح مسلم، كتاب الامارة، باب
البيعة على السمع والطاعة في ما استطاع، ح 90. وسنن النسائي، كتاب البيعة، باب
البيعة في ما يستطيع الانسان.
207
سنن النسائي، كتاب البيعة، باب البيعة في ما يستطيع الانسان.
208
صحيح البخاري، كتاب الاحكام، باب البيعة، ح 5.
209
البخاري، كتاب الاحكام، باب بيعة الصغير. وسنن النسائي، كتاب البيعة، باب بيعة
الغلام. والهرماس بن زياد، أبو حيدر البصري الباهلي : من قيس عيلان. مات باليمامة
بعد المائة. راجع ترجمته باُسد الغابة، وتقريب التهذيب.
210
صحيح البخاري، كتاب الاحكام، باب السمع والطاعة للامام ما لم تكن معصية، ح 3. وصحيح
مسلم، كتاب الامارة، باب وجوب طاعة الاُمراء في غير معصية، ح 1839. وسنن ابن
ماجة، كتاب الجهاد، باب لا طاعة في معصية اللّه، ح 2863. وسنن النسائي، كتاب
البيعة، باب جزاء من أمر بمعصية. ومسند أحمد 2 / 17 و 142.
211
سنن ابن ماجة 2 / 956، ح 2865. ومسند أحمد 1 / 400 وفي لفظ : ليس طاعة لمن عصى
اللّه.
212
مسند أحمد 5 / 325 عن عبادة بن الصامت وأنّه روى الحديث في دار عثمان عندما شكاه
معاوية إلى عثمان فجلبه عثمان إلى المدينة، ومختصر الحديث برواية عبادة في ص 329
منه.
213
تهذيب تأريخ ابن عساكر 7 / 215.