ثالثا  ـ  آراء  أتباع  مدرسة  الخلفاء :

قال أقضى القضاة الماوردي (ت : 450 ه‍‍) في الاحكام السلطانية(180) والامام علاّمة الزمان القاضي أبو يعلى (ت : 458 ه‍‍) في الاحكام السلطانية(181)، كلاهما، قالا في كتابيهما :

الامامة تنعقد من وجهين : أحدهما باختيار أهل الحلّ والعقد، والثاني بعهد الامام من قبل.

فأمّا انعقادها باختيار أهل الحلّ والعقد، فقد اختلف العلماء في عدد مَن تنعقد به الامامة منهم على مذاهب شتّى، فقالت طائفة :

لا تنعقد إلاّ بجمهور أهل العقد والحلّ من كلّ بلد ليكون الرضا به عامّا والتسليم لامامته إجماعا، وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر (رض) على الخلافة باختيار من حضرها ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها.

وقالت طائفة اُخرى :

اقلّ من تنعقد به منهم الامامة خمسة يجتمعون على عقدها أو يعقدها

أحدهم برضا الاربعة استدلالا بأمرين :

أحدهما : أنّ بيعة أبي بكر (رض) انعقدت بخمسة اجتمعوا عليها ثمّ تابعهم الناس فيها، وهم عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجرّاح(182)، واُسيد بن حضير، وبشير بن سعد، وسالم مولى أبي حذيفة (رض).

والثاني : أنّ عمر (رض) جعل الشورى في ستّة ليعقد لاحدهم برضا الخمسة. وهذا قول أكثر الفقهاء والمتكلّمين من أهل البصرة.

وقال آخرون من أهل الكوفة :

تنعقد بثلاثة يتولاّها أحدهم برضا الاثنين ليكونوا حاكما وشاهدين كما يصحّ عقد النكاح بوليّ وشاهدين.

وقالت طائفة اُخرى :

(تنعقد بواحد، لانّ العباس(183) قال لعليّ رضوان اللّه عليهما : اُمدد  يدك اُبايعك، فيقول الناس عمّ رسول اللّه (ص) بايع ابن عمّه، فلا يختلف عليك اثنان، ولانّه حكم وحكم واحد نافذ)(184).

(وأمّا انعقاد الامامة بعهد من قبله، فهو ممّا انعقد الاجتماع على جوازه ووقع الاتّفاق على صحّته لامرين عمل المسلمون بهما ولم يتناكروهما، أحدهما : أنّ أبا بكر (رض) عهد بها إلى عمر (رض) فأثبت المسلمون إمامته بعهده.

والثاني : أنّ عمر (رض) عهد بها إلى أهل الشورى... إلى قوله : لانّ بيعة عمر (رض) لم تتوقّف على رضا الصحابة، ولانّ الامام أحقّ بها)(185).

ونقل اختلاف العلماء في لزوم معرفة الامام وأنّ بعضهم قال :

(واجب على الناس كلّهم معرفة الامام بعينه واسمه، كما عليهم معرفة اللّه ومعرفة رسوله).

ثمّ قال :

(والذي عليه جمهور الناس، أنّ معرفة الامام تلزم الكافّة بالجملة دون التفصيل)(186).

وأضاف قاضي القضاة أبو يعلى الفرّاء الحنبلي في الاحكام السلطانية(187)

على تلكم الاقوال قول بعضهم :

(إنّها تثبت بالقهر والغلبة، ولا تفتقر إلى العقد).

(ومن غلب عليهم بالسيف حتّى صار خليفة وسمّي أمير المؤمنين، فلا يحلّ لاحد يؤمن باللّه واليوم الاخر أن يبيت ولا يراه إماما برّا كان أو فاجرا، فهو أمير المؤمنين).

وقال في الامام يخرج عليه من يطلب الملك فيكون مع هذا قوم ومع هذا قوم : (تكون الجمعة مع من غلب) واحتجّ بأنّ ابن عمر صلّى بأهل المدينة في زمن الحرّة وقال : (نحن مع من غلب)(188).

وقال إمام الحرمين الجويني (ت : 478 ه‍‍) في باب الاختيار وصفته وذكر ما ينعقد به الامامة من كتاب الارشاد :

(إعلموا أنّه لا يشترط في عقد الامامة الاجماع، بل تنعقد الامامة وإن لم تجمع الاُمّة على عقدها. والدليل عليه أنّ الامامة لمّا عقدت لابي بكر ابتدر لامضاء أحكام المسلمين، ولم يتأنّ لانتشار الاخبار إلى من نأى من الصحابة في الاقطار، ولم ينكر عليه منكر، ولم يحمله على التريّث حامل. فإذا لم يشترط الاجماع في عقد الامامة، لم يثبت عدد معدود، ولا حدّ محدود، فالوجه الحكم بأنّ الامامة تنعقد بعقد واحد من أهل الحلّ والعقد)(189).

وقال الامام ابن العربي (ت : 543 ه‍‍) :

(لا يلزم في عقد البيعة للامام أن تكون من جميع الانام، بل يكفي لعقد ذلك اثنان أو واحد)(190).

وقال الشيخ الفقيه الامام العلاّمة المحدّث القرطبي (ت : 671 ه‍‍) في المسألة الثامنة في تفسير ( إنِّي جاعِلٌ في الارْضِ خَلِيفة ) البقرة / 30، من تفسير سورة البقرة:

(فإن عقدها واحد من أهل الحلّ والعقد فذلك ثابت، ويلزم الغير فعله، خلافا لبعض الناس حيث قال : لا تنعقد إلاّ بجماعة من أهل الحلّ والعقد.

ودليلنا أنّ عمر (رض) عقد البيعة لابي بكر ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك، فوجب ألاّ يفتقر إلى عدد يعقدونه كسائر العقود).

وقال الامام أبو المعالي : (من انعقدت له الامامة بعقد واحد فقد لزمت، ولا يجوز خلعه من غير حدث وتغيّر أمر، قال : وهذا مجمع عليه).

وقال في المسألة الخامسة عشرة من تفسير الاية :

(إذا انعقدت الامامة باتّفاق أهل الحلّ والعقد أو بواحد على ما تقدّم، وجب على الناس كافّة مبايعته)(191).

وقال أقضى القضاة عضد الدين الايجي (ت : 756 ه‍‍) في المواقف : المقصد الثالث في ما تثبت به الامامة، ما ملخّصه : أنّها تثبت بالنصّ من الرسول، ومن الامام السابق بالاجماع، وتثبت ببيعة أهل الحلّ والعقد خلافا للشيعة. دليلنا ثبوت إمامة أبي بكر (رض) بالبيعة.

وقال :

إذا ثبت حصول الامامة بالاختيار والبيعة، فاعلم أنّ ذلك لا يفتقر إلى الاجماع، إذ لم يقم عليه دليل من العقل أو السمع، بل الواحد والاثنان من أهل الحلّ والعقد كاف، لعلمنا أنّ الصحابة مع صلابتهم في الدين اكتفوا بذلك كعقد عمر لابي بكر، وعقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان، ولم يشترطوا اجتماع مَن في المدينة فضلا عن إجماع الاُمّة. هذا ولم ينكر عليهم أحد، وعليه انطوت الاعصار إلى وقتنا هذا(192).

ووافق القاضي الايجي شرّاح كتابه كتاب المواقف مثل السيد الشريف الجرجاني (ت : 816 ه‍‍)(193).

 


180  الاحكام السلطانية لابي الحسن عليّ بن محمد البصري البغدادي، ط. الثانية سنة 1356هـ، ص 7 ـ 11. والماوردي نسبة إلى (بيع ماء الورد) كان من وجوه فقهاء الشافعية، له مصنّفات كثيرة.

181  الاحكام السلطانية للشيخ أبي يعلى محمد بن الحسن الفراء الحنبلي، ط. الاُولى بمصر سنة 1356 ه‍‍ ، ص 7 ـ 11.

وإنّما اعتمدنا عليهما أكثر من غيرهما من كتب مدرسة الخلفاء، لانّ هذا النوع من الكتب مثل كتاب الخراج لابي يوسف، إنّما اُلّف لتدوين الاحكام التي تخصّ شؤون الحكم على رأي مدرسة الخلفاء ومن أجل العمل به، خلافا للكتب التي دوّنت في مقام المناظرة وليس للعمل بها. وكلّ ما نورده في ما يلي من كلا الكتابين وما انفرد به أحدهما ذكرنا ذلك في الهامش.

182  أبو عبيدة، عامر بن عبد اللّه بن الجرّاح : كان حفّارا للقبور بمكّة، شهد بدرا وما بعدها ومات بطاعون عمواس ـ كورة قرب بيت المقدس ـ سنة 18 ه‍‍ . روى عنه أصحاب الصحاح 14 حديثا. ترجمته باُسد الغابة وجوامع السيرة ص 284، وطبقات ابن سعد، ط. اوربا 2 / 2 / 74. واُسيد بن حضير : مرّت ترجمته في ص 148، الهامش رقم (3). وبشير بن سعد بن ثعلبة الخزرجي : يقال أوّل من بايع أبا بكر، وكان حاسدا لسعد ابن عبادة، وقتل يوم عين التمر مع خالد. أخرج حديثه النسائي في سننه. راجع عبد اللّه بن سبأ 1 / 96. والتقريب 1 / 103. واُسد الغابة.

وأبو عبد اللّه، سالم مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة الاموي : كان من اصطخر فارس أعتقته ثبيتة الانصارية زوج أبي حذيفة فتبنّاه أبو حذيفة ولذلك عدّ من المهاجرين. هاجر إلى المدينة قبل رسول اللّه وكان يؤمّ المهاجرين فيها وفيهم عمر بن الخطاب لانّه كان أقرأهم للقرآن، آخى الرسول بينه وبين معاذ من الانصار. قتل يوم اليمامة. ترجمته باُسد الغابة والاصابة.

183  أبو الفضل، العباس بن عبد المطلب، واُمّه : نتيلة بنت خباب النمري. شهد مع رسول اللّه بيعة العقبة واُسر في بدر ففدى نفسه وابني أخويه عقيلا ونوفلا، هاجر قبل فتح مكة وشهده. استسقى به عمر بن الخطاب في عام الرمادة ـ عام الجدب والقحط ـ . توفّي سنة 32 ه‍‍ . روى عنه أصحاب الصحاح 35

حديثا. ترجمته باُسد الغابة وجوامع السيرة ص 281.

184  الاحكام السلطانية للماوردي / 6 ـ 7.

185  المصدر السابق ص 10. ويظهر من أقوالهم بأنّهم يدينون بما وقع وأنّ الامر الذي وقع هو الدين ولا يختلفون في ذلك وإنّما الاختلاف في كيفية ما وقع.

186  المصدر السابق ص 15.

187  الاحكام السلطانية ص 7 ـ 11 .

188  المصدر السابق ص 7 ـ 8 في طبعة، وفي اُخرى ص 20 ـ 23.

وابن عمر، هو عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، اُمّه زينب بنت مظعون الجمحية. استصغره الرسول في اُحد وشهد ما بعدها. روي عنه في الثناء على نفسه وأبيه روايات متعدّدة. أفتى ستّين سنة بعد رسول اللّه في الموسم. قالوا : كان جيّد الحديث، ولم يكن جيّد الفقه. لم يشهد شيئا من الحروب مع علي، ثمّ ندم على ذلك لمّا حضرته الوفاة، قال : (ما أجد في نفسي من الدنيا إلاّ أنّي لم اُقاتل الفئة الباغية مع عليّ بن أبي طالب). وكان سبب وفاته أنّ الحجّاج أمر رجلا فوضع زجّ رمح مسموم على قدمه في الزحام فمات سنة 73 ه‍‍ ، وروى عنه أصحاب الصحاح 2630 حديثا. ترجمته باُسد الغابة وسير النبلاء وجوامع السيرة ص 275.

189  الارشاد في الكلام لامام الحرمين عبد الملك بن عبد اللّه الجويني، ط. القاهرة 1369 ه‍‍ ، ص 424.

190  الامام أبو بكر محمد بن عبد اللّه الاشبيلي المشهور بابن العربي في شرحه سنن الترمذي 13 / 229.

191  القرطبي، هو أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الانصاري الخزرجي الاندلسي في كتاب جامع أحكام القرآن، ط. مصر سنة 1387 ه‍‍ ، 1 / 269 و 272.

192  المواقف في علم الكلام، ط. مصر 1325 ه‍‍ ، 8 / 351 ـ 353، تأليف القاضي عبد الرحمن بن أحمد الايجي، توفّي بالسجن عام 756 ه‍‍ .

193  السيد الشريف الجرجاني في شرحه على المواقف والذي طبع مع الكتاب بمصر.