مَن  تخلّف  عن  بيعة  الخليفة  أبي  بكر :

أ  ـ  فروة  بن  عمرو :

قال الزبير بن بكار في الموفقيات : (كان فروة بن عمرو ممّن تخلّف عن بيعة أبي بكر، وكان ممّن جاهد مع رسول اللّه (ص) وقاد فرسين في سبيل اللّه. وكان يتصدّق من نخله بألف وسق في كلّ عام، وكان سيّدا. وهو من أصحاب عليّ، وممّن شهد معه يوم الجمل).

وذكر الزبير بن بكّار بعد ذلك عتاب فروة لبعض الانصار الذين ساعدوا أبا بكر في بيعته(143).

 

ب  ـ  خالد  بن  سعيد  الاموي :

كان عاملا لرسول اللّه على صنعاء اليمن (فلمّا مات رسول اللّه رجع هو وأخواه أبان وعمر عن عمالتهم، فقال أبو بكر : ما لكم رجعتم عن عمالتكم ؟

ما أحد أحقّ بالعمل من عمّال رسول اللّه (ص)، ارجعوا إلى أعمالكم. فقالوا :

نحن بنو اُحيحة، لا نعمل لاحد بعد رسول اللّه)(144).

وتأخّر خالد وأخوه أبان عن بيعة أبي بكر، فقال لبني هاشم : إنّكم لطوال الشجر طيّبو الثمر نحن تَبَع لكم(145).

و (تربّص ببيعته شهرين يقول : قد أمّرني رسول اللّه (ص) ثمّ لم يعزلني حتّى قبضه اللّه، وقد لقي عليّ بن أبي طالب وعثمان بن عفّان، فقال : يا بني عبد مناف، لقد طبتم نفسا عن أمركم يليه غيركم، فأمّا أبو بكر فلم يحفلها عليه، وأمّا عمر فاضطغنها عليه)(146).

(وأتى عليّا فقال : هلمّ اُبايعك، فواللّه ما في الناس أحد أولى بمقام محمد منك)(147)، (فلمّا بايع بنو هاشم أبا بكر بايعه خالد)(148).

(ثمّ بعث أبو بكر الجنود إلى الشام وكان أوّل من استعمل على ربع منها خالد بن سعيد، فأخذ عمر يقول : أتؤمّره وقد صنع ما صنع وقال ما قال ! ؟

فلم يزل بأبي بكر حتّى عزله، وأمّر يزيد بن أبي سفيان)(149).

 

ج  ـ  سعد  بن  عُبادة(150) :

(ذكروا إنّ سعدا تُرك أيّاما ثمّ بُعث إليه أن أقبل فبايع، فقد بايع الناس وبايع قومك، فقال : أما واللّه حتّى أرميكم بما في كنانتي من نبل واُخضّب سنان رمحي، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي، واُقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني من قومي فلا أفعل. وأيم اللّه لو أنّ الجنّ اجتمعت لكم مع الانس ما بايعتكم حتّى اُعرض على ربّي وأعلم ما حسابي)(151).

فلمّا اُتي أبو بكر بذلك، قال عمر : لا تدعه حتّى يبايع.

فقال له بشير بن سعد : إنّه قد لجّ وأبى، وليس بمبايعكم حتّى يقتل، وليس بمقتول حتّى يقتل معه ولده وأهل بيته وطائفة من عشيرته، فاتركوه فليس تركه بضارّكم، إنّما هو رجل واحد.

فتركوه وقبلوا مشورة بشير بن سعد، واستنصحوه لما بدا لهم منه، فكان سعد لا يصلّي بصلاتهم ولا يجتمع معهم ولا يحجّ ولا يفيض معهم بإفاضتهم ـ‍

الخ. (فلم يزل كذلك حتّى توفّي أبو بكر وولي عمر)(152).

ولمّا ولي عمر الخلافة لقيه في بعض طرق المدينة.

فقال له : إيه يا سعد ! ؟

فقال له : إيه يا عمر ! ؟

فقال له عمر : أنت صاحب المقالة ؟

قال سعد : نعم، أنا ذلك، وقد أفضى إليك هذا الامر، كان واللّه صاحبك أحبّ إلينا منك وقد أصبحت واللّه كارها لجوارك.

فقال عمر : من كره جوار جارٍ تحوّل عنه.

فقال سعد : ما أنا غير مستسرّ بذلك، وأنا متحوّل إلى جوار من هو خير منك.

فلم يلبث إلاّ قليلا حتّى خرج إلى الشام في أوّل خلافة عمر ـ الخ)(153).

وفي رواية البلاذري : أنّ سعد بن عبادة لم يبايع أبا بكر وخرج إلى الشام فبعث عمر رجلا وقال : اُدعُه إلى البيعة واحتل له، فإن أبى فاستعن اللّه عليه.

فقدم الرجل الشام فوجد سعدا في حائط بحوارين(154) فدعاه إلى البيعة.

فقال : لا اُبايع قُريشا أبدا.

قال : فإنّي اُقاتلك.

قال : وإن قاتلتني.

قال : أفخارج أنت ممّا دخلت فيه الاُمّة ؟

قال : أمّا من البيعة فإنّي خارج. فرماه بسهم فقتله(155).

وفي تبصرة العوام : أنّهم أرسلوا محمد بن مسلمة الانصاري فرماه بسهم.

وقيل : إنّ خالدا كان في الشام يومذاك، فأعانه على ذلك(156).

قال المسعودي : (وخرج سعد بن عبادة ولم يبايع، فصار إلى الشام فقتل هناك سنة 15 هـ(‍‍ 157).

وفي رواية ابن عبد ربّه : (رمي سعد بن عبادة بسهم فوجد دفينا في جسده فمات، فبكته الجنّ فقالت :

وقتلنا سيّد الخزرج سعد بن عُبادة‌ورميناه بسهمين فلم نُخطئ فؤاده(158)

وروى ابن سعد : (أنّه جلس يبول في نفق فاقتُتِل فمات من ساعته ووجدوه قد اخضرّ جلده)(159).

وفي اُسد الغابة(160) : (لم يبايع سعد أبا بكر ولا عمر، وسار إلى الشام فأقام بحوران إلى أن مات سنة 15 ه‍‍ ولم يختلفوا أنّه وجد ميتا على مغتسله وقد اخضرّ جسده ولم يشعروا بموته حتّى سمعوا قائلا يقول من بئر ولا يرون أحدا...) الخ.

هكذا انتهت حياة سعد بن عبادة. ولمّا كان قتل سعد بن عبادة من الحوادث التي كره المؤرخون وقوعها، أغفل جمع منهم ذكرها(161) وأهمل قسم منهم بيان كيفيتها ونسبوها إلى الجنّ(162)، غير أنّهم لم يكشفوا عن منشأ العداء بين الجنّ وسعد بن عبادة، ولماذا فوّقت سهمها إلى فؤاد سعد دون سائر الصحابة،

فلو أنّهم أكملوا الاُسطورة وقالوا : إنّ صلحاء الجنّ كرهت امتناع سعد عن البيعة فرمته بسهمين فما أخطآ فؤاده لكانت اُسطورتهم تامّة.

 مَن  روى  أنّ  سعدا  لم  يبايع :

1 ـ ابن سعد في الطبقات.

2 ـ ابن جرير في تأريخه.

3 ـ البلاذري في ج 1 من أنسابه.

4 ـ ابن عبد البرّ في الاستيعاب.

5 ـ ابن عبد ربّه في العقد الفريد.

6 ـ ابن قتيبة في الامامة والسياسة 1 / 9.

7 ـ المسعودي في مروج الذهب.

8 ـ ابن حجر العسقلاني في الاصابة 2 / 28.

9 ـ محبّ الدين الطبري في الرياض النضرة 1 / 168.

10 ـ ابن الاثير في اُسد الغابة 3 / 222.

11 ـ تأريخ الخميس.

12 ـ عليّ بن برهان الدين في السيرة الحلبية 3 / 396 و 397.

13 ـ أبو بكر الجوهري، برواية ابن أبي الحديد عنه.

كان ما ذكرناه خلاصة من خبر استخلاف أبي بكر وبيعته، أوردناه ملخّصا من كتاب عبد اللّه بن سبأ، الجزء الاوّل.

وفي ما يلي خبر استخلاف عمر وبيعته:

 


143  الموفّقيات ص 590.

وفروة بن عمرو الانصاري البياضي : شهد العقبة وبدرا وما بعدهما مع رسول اللّه (ص). اُسد الغابة 4 / 178.

144  خالد بن سعيد بن العاص بن اُمية بن عبد شمس : أسلم قديما فكان ثالثا أو رابعا وقيل كان خامسا، وقال ابن قتيبة في المعارف ص 128 : (أسلم قبل إسلام أبي بكر). وابن أبي الحديد 2 / 13. وكان ممّن هاجر إلى الحبشة واستعمله رسول اللّه مع أخويه على صدقات مذحج واستعمله على صنعاء اليمن. ثمّ رجعوا بعد وفاة النبي ثمّ مضوا جميعا إلى الشام فقتلوا هناك، واستشهد خالد بأجنادين يوم السبت لليلتين بقيتا من جمادى الاُولى سنة 13 ه‍‍_  الاستيعاب 1 / 398 ـ 400. والاصابة 1 / 406. واُسد الغابة 2 / 82. وراجع ابن أبي الحديد 6 / 13 و 16.

145  اُسد الغابة 2 / 82. وابن أبي الحديد 2 / 135، ط. المصرية الاُولى.

146  الطبري 2 / 586 (ط. اوربا 1 / 2079). وتهذيب تأريخ ابن عساكر 5 / 51. وفي أنساب الاشراف 1 / 588 ذكر أنّ خالد بن سعيد تأخر عن البيعة.

147  اليعقوبي 2 / 126.

148  اُسد الغابة 2 / 82. وراجع تفصيل ذلك في ابن أبي الحديد 1 / 135 نقلا عن سقيفة أبي بكر الجوهري.

149  الطبري 2 / 586 (و ط. اوربا 1 / 2079). وتهذيب تأريخ ابن عساكر 5 / 51.

وفي أنساب الاشراف 1 / 588 ذكر أنّ خالد بن سعيد تأخّر عن البيعة.

150  سعد بن عُبادة بن دُليم بن حارثة بن أبي خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الانصاري : شهد العقبة ومغازي رسول اللّه عدا بدر، فإنّه اختلف في أنّه هل شهدها أم لم يشهدها. كان جوادا سخيّا، وكانت راية الانصار بيده يوم الفتح، ولمّا نادى : (اليوم يوم الملحمة اليوم تسبى الحرمة) نزع رسول اللّه اللواء منه وأعطاه لابنه قيس. ولم يبايع أبا بكر حتّى قتل بسهمين في الشام سنة 15 ه‍‍ ودفن بحوارين، نسبه في جمهرة ابن حزم ص 65. وخبره في الاستيعاب 2 / 23 ـ 37. والاصابة 2 / 27 ـ 28.

151  الطبري 3 / 459. وابن الاثير 2 / 126، أورد الرواية إلى : فاتركوه. وكنز العمال 3 / 134، ح 2296. والامامة والسياسة 1 / 10. والسيرة الحلبية 4 / 397، بعده : (لا يسلّم على من لقي منهم). والطبري ط. اوربا 1 / 1844.

152  الرياض النضرة 1 / 168، مضافا إلى سائر المصادر.

153  طبقات ابن سعد 3 / ق 2 / 145. وابن عساكر 6 / 90 بترجمة سعد من تهذيبه. وكنز العمال 3 / 134، برقم 2296. والحلبية 3 / 397.

154  من قرى حلب معروفة. معجم البلدان.

155  أنساب الاشراف 1 / 589. والعقد الفريد 3 / 64 ـ 65 باختلاف يسير.

156  تبصرة العوام، ط. المجلس بطهران ص 32.

157  مروج الذهب 2 / 301 و 304.

158  العقد الفريد 4 / 259 ـ 260.

159  الطبقات 3 / ق 2 / 145. وأبو حنيفة الدينوري في المعارف ص 113.

160  في ترجمة سعد. والاستيعاب 2 / 37.

161  كابن جرير وابن كثير وابن الاثير في تواريخهم.

162  كمحبّ الدين الطبري في الرياض النضرة. وابن عبد البرّ في الاستيعاب.